ترامب يرفض طلب بن سلمان بضربات أمريكية ضد الحوثيين ويكتفي بمشاركة الاستخبارات

ترامب يرفض طلب بن سلمان بضربات أمريكية ضد الحوثيين ويكتفي بمشاركة الاستخبارات

رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طلبًا مباشرًا من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بشن ضربات عسكرية أمريكية ضد جماعة الحوثي في اليمن، وذلك في اتصالين هاتفيين بين الطرفين مساء الخميس 10 سبتمبر 2026، بحسب ما ذكره موقع “أكسيوس” الأمريكي نقلاً عن مسؤولين مطلعين على الاتصال. وعرضت واشنطن بدلاً من التدخل العسكري المباشر تزويد الرياض بمعلومات استخباراتية وبيانات تحديد أهداف تخص مواقع الحوثيين، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من إحكام الجماعة المدعومة من إيران قبضتها على مضيق باب المندب.

ماذا حدث بالضبط؟

بحسب “أكسيوس”، اتصل ولي العهد السعودي بالرئيس الأمريكي مرتين خلال ساعات متقاربة مساء الخميس: المكالمة الأولى لإطلاعه على المستجدات الميدانية في اليمن، والثانية لتقديم طلب صريح بشن ضربات أمريكية ضد الحوثيين، مع تزايد قلق الرياض من تقدّم مقاتلي الجماعة نحو مدينة المخا الساحلية ومضيق باب المندب. ونقلت الشبكة عن مسؤولين أمريكيين أن ترامب رفض الطلب بشكل مباشر خلال الاتصال.

وأكدت صحيفة “ميليتري تايمز” الأمريكية الرواية في تغطية منفصلة، ونقلت عن مسؤول أمريكي كبير تفضيل واشنطن “التركيز على حماية مصالحها الأمنية الجوهرية – مثل ضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر – مع تمكين الشركاء الإقليميين من قيادة إدارة التحديات الأمنية الإقليمية وحلّها”، في إشارة إلى رغبة الإدارة الأمريكية بعدم فتح جبهة عسكرية مباشرة جديدة إلى جانب الحرب مع إيران وتأمين مضيق هرمز. كما أشارت الصحيفة إلى زيارة قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) الأدميرال براد كوبر إلى السعودية للتباحث في الملف، ما يعكس تعاطي واشنطن مع الطلب السعودي على مستوى عسكري رفيع رغم رفضه.

البديل الأمريكي: استخبارات وبيانات استهداف بدل الضربات

بدلاً من التدخل العسكري المباشر، وافقت الإدارة الأمريكية على تزويد السعودية بـ”معلومات استخباراتية وبيانات متعلقة بأهداف حوثية”، بحسب المسؤولين الذين تحدثوا لموقع أكسيوس. وأشارت التقارير إلى أن أكثر من 200 عنصر عسكري أمريكي يتواجدون حاليًا في الأراضي السعودية يقدّمون “دعمًا غير قتالي”، وهو ما يشمل عادة الدعم اللوجستي وتنسيق الدفاع الجوي وصيانة المنظومات الأمريكية الصنع الموجودة في المملكة، دون مشاركة مباشرة في أي عمليات هجومية.

ولم يصدر حتى الآن تعليق رسمي من الديوان الملكي السعودي أو البيت الأبيض يؤكد تفاصيل الاتصالين، إذ اعتمدت التغطية حتى كتابة هذا التقرير على مصادر مطلعة تحدثت لوسائل الإعلام الأمريكية دون الكشف عن هويتها.

لماذا تطلب الرياض تدخلاً أمريكيًا رغم ترسانتها الحديثة؟

يثير الطلب السعودي سؤالًا تقنيًا مهمًا: لماذا تحتاج المملكة إلى ضربات أمريكية مباشرة بعدما أنفقت عشرات المليارات على تحديث سلاحها الجوي ومنظوماتها الدفاعية خلال 2026 وحده؟ فقبل أسبوع واحد فقط من هذا الطلب، وافقت الخارجية الأمريكية في 4 سبتمبر على بيع ذخائر “جي دام – إي آر” (JDAM-ER) للسعودية بقيمة 5 مليارات دولار ضمن صفقة أوسع بلغت 5.75 مليار دولار شملت أيضًا محركات دبابات “أبرامز”، إضافة إلى صفقات سابقة تجاوزت 9 مليارات دولار لصواريخ اعتراضية من طراز PAC-3 MSE، ونحو 2 مليار دولار لذخائر “أباكوس” الموجهة (APKWS) المخصصة لاعتراض الطائرات المسيّرة.

مقاتلة F-15S تابعة لسلاح الجو الملكي السعودي
مقاتلة من طراز F-15S التابعة لسلاح الجو الملكي السعودي، الطراز السابق لنسخة F-15SA الحديثة التي تسلّمت مؤخرًا ذخائر JDAM-ER الأمريكية (المصدر: ويكيميديا كومنز، ملكية عامة)

الفجوة الفعلية إذن ليست في الذخائر أو منصات الإطلاق، بل في القدرة على الاستطلاع والاستهداف اللحظي: تعتمد الضربات الدقيقة ضد أهداف متحركة كمنصات الصواريخ والمسيّرات الحوثية على شبكة استطلاع متعددة الطبقات (أقمار صناعية، طائرات استطلاع من طراز RC-135، ومسيّرات MQ-9 الاستطلاعية) توفرها القيادة المركزية الأمريكية بشكل يصعب على أي سلاح جوي إقليمي – بما فيه السلاح الجوي الملكي السعودي المزوّد بمقاتلات F-15SA من إنتاج “بوينغ” – مضاهاته منفردًا رغم حجم القوة العسكرية السعودية على الورق. وهذا ما يفسر لماذا اختارت واشنطن تقديم “بيانات الاستهداف” تحديدًا كبديل عن الضربات، بدل تقديم ذخائر أو طائرات إضافية.

تصعيد حوثي متسارع في باب المندب

يأتي الطلب السعودي في سياق تصعيد ميداني حوثي سريع؛ إذ سيطر الحوثيون على كامل مضيق باب المندب بعد الاستيلاء على جزيرة ميون الاستراتيجية ومدينة المخا الساحلية خلال الأيام الماضية، في تطور وصفه مراقبون بأنه الأخطر منذ بدء الحرب الإقليمية المرتبطة بإيران مطلع العام. وتزامن ذلك مع استهداف خط أنابيب الشرق-الغرب السعودي بمسيّرات انطلقت من الأراضي العراقية، ما وضع الرياض أمام جبهتين متزامنتين تهددان بنية تصدير نفطها.

وتُظهر هذه التطورات مجتمعة اتساع الفجوة بين المكاسب الميدانية السريعة للحوثيين على الأرض والبحر، وبين محدودية الخيارات العسكرية المتاحة أمام التحالف الذي تقوده السعودية لاحتواء هذا التقدم دون انزلاق إلى تصعيد إقليمي أوسع مع إيران.

لماذا يهم هذا التطور العالم العربي؟

يكشف رفض واشنطن التدخل المباشر حدود ما يمكن أن يوفره التسلح وحده لدول الخليج، حتى بعد سنوات من صفقات ضخمة لتنويع مصادر السلاح وبناء قدرات دفاعية “ذاتية الاكتفاء” كما روّجت له الرياض وأبوظبي منذ حرب إيران. فالمملكة تمتلك اليوم مقاتلات وذخائر دقيقة كافية نظريًا لضرب مواقع الحوثيين، لكنها تبقى معتمدة على المظلة الاستخباراتية والاستطلاعية الأمريكية لتحويل تلك القدرات إلى ضربات فعّالة ضد أهداف متحركة ومموّهة.

كما يضع التطور مصر أمام معادلة حساسة؛ فاستمرار تمدد الحوثيين في باب المندب يهدد بشكل مباشر حركة الملاحة نحو قناة السويس، أحد أهم مصادر العملة الصعبة لمصر، وهو ما دفع القاهرة إلى تشكيل خلية أزمة لمتابعة الموقف والتنسيق مع كل من واشنطن والرياض وصنعاء. أما بالنسبة لدول الخليج الأخرى كالإمارات والكويت وقطر، فإن التردد الأمريكي في التدخل العسكري المباشر يعزز نقاشًا داخليًا متصاعدًا حول ضرورة الاستثمار في قدرات استطلاع وأقمار صناعية عربية مستقلة، بدل الاكتفاء باستيراد المنصات القتالية وحدها.

أسئلة شائعة

ما الفرق بين “الضربات المباشرة” و”مشاركة بيانات الاستهداف” التي وافقت عليها واشنطن؟
الضربات المباشرة تعني تنفيذ سلاح الجو أو البحرية الأمريكية هجمات فعلية على مواقع حوثية، بينما تقتصر مشاركة بيانات الاستهداف على تزويد الجانب السعودي بإحداثيات ومعلومات استخباراتية عن مواقع الأهداف، على أن تتولى القوات السعودية بنفسها تنفيذ الضربة إن قررت ذلك.

هل تمتلك السعودية القدرة على ضرب الحوثيين دون مساعدة أمريكية؟
نعم من حيث المنصات والذخائر، إذ يشغّل سلاحها الجوي مقاتلات F-15SA المزوّدة حديثًا بذخائر JDAM-ER بعيدة المدى، لكن الفجوة تكمن في قدرات الاستطلاع اللحظي اللازمة لتتبع أهداف متحركة كمنصات إطلاق الصواريخ والمسيّرات الحوثية المموّهة.

ما دور الجنود الأمريكيين الـ200 المتواجدين في السعودية؟
بحسب المسؤولين الأمريكيين، يقدّم هؤلاء “دعمًا غير قتالي”، وهو ما يشمل عادة صيانة أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية الصنع المنتشرة في المملكة كمنظومة باتريوت، والتنسيق اللوجستي، دون مشاركة في عمليات هجومية مباشرة.

هل هذا الرفض الأمريكي نهائي؟
لم تستبعد التقارير الأمريكية إعادة النظر في الموقف إذا تدهور الوضع الميداني أكثر، خصوصًا مع استمرار سيطرة الحوثيين على باب المندب وتهديدهم لخطوط الملاحة، لكن الموقف المعلن حتى الآن هو التمسك بحصر الجهد العسكري الأمريكي المباشر في مواجهة إيران وتأمين مضيق هرمز.

المصادر

  • Axios – السبق الصحفي الأول الذي كشف تفاصيل الاتصالين ورفض ترامب للطلب السعودي.
  • Military Times – تفاصيل إضافية حول تصريح المسؤول الأمريكي وزيارة قائد سنتكوم الأدميرال براد كوبر للرياض.
  • فرانس 24 بالعربية – تغطية عربية مستقلة أكدت تفاصيل الاتصالين والرد الأمريكي.
1 تعليق

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات مشابهة