الحوثيون يستولون على جزيرتي حنيش الكبرى والصغرى ويوسّعون قبضتهم على البحر الأحمر

الحوثيون يستولون على جزيرتي حنيش الكبرى والصغرى ويوسّعون قبضتهم على البحر الأحمر

سيطرت جماعة الحوثي المسلحة، يوم الاثنين 14 سبتمبر/أيلول 2026، على جزيرتي حنيش الكبرى وحنيش الصغرى في جنوب البحر الأحمر، على بُعد نحو 160 كيلومتراً إلى الشمال من مضيق باب المندب، بعد انسحاب مئات العناصر الموالية للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً دون مقاومة تُذكر. ويمثّل هذا الاستيلاء امتداداً لتقدّم الجماعة السريع حول باب المندب، الممر الحيوي الذي تضاعفت أهميته لصادرات النفط السعودية بعد أن باتت السعودية تستخدمه كبديل جزئي عن مضيق هرمز في ظل التوتر مع إيران.

صورة بالأقمار الصناعية لمضيق باب المندب الفاصل بين اليمن والقرن الأفريقي
صورة بالأقمار الصناعية لمضيق باب المندب التقطها مستشعر ASTER على متن القمر الصناعي Terra التابع لناسا (المصدر: NASA/METI/AIST وفريق علوم ASTER الياباني الأميركي – ملكية عامة)

ما الذي حدث؟

بحسب ما نقلته وكالة The Associated Press، ونقلته عنها شبكة يورونيوز وصحف أميركية عدة، انتشرت عناصر حوثية في أرخبيل حنيش بعد أن تراجعت عنه مئات المقاتلين الموالين للحكومة الشرعية. وكانت الجزيرتان، بحسب التقرير، خاضعتين سابقاً لقوات محلية مدعومة من الإمارات، إلا أن أبوظبي كانت قد فككت بنيتها التحتية العسكرية هناك في وقت سابق من العام نفسه.

يأتي سقوط حنيش الكبرى والصغرى بعد أسبوعين فقط من استيلاء الحوثيين على ميناء المخا وجزيرة ميون (بريم) داخل مضيق باب المندب نفسه، وهو التطور الذي غطّته “دفنس أرابيا” حينها. بذلك تكون الجماعة قد أحكمت قبضتها على كامل الساحل الغربي لليمن تقريباً، من باب المندب جنوباً إلى ما هو أبعد من خط عرض حنيش شمالاً.

ما هي جزر حنيش ولماذا تكتسب أهمية استراتيجية؟

أرخبيل حنيش، الذي يضم حنيش الكبرى (الأكبر مساحة) وحنيش الصغرى إلى جانب عدد من الجزر الصخرية الصغيرة، يقع في جنوب البحر الأحمر ضمن محافظة الحديدة اليمنية، على مسافة متوسطة بين الساحل اليمني وساحل إريتريا. أعلى ارتفاع فيه بركاني ولا يتجاوز 78 متراً، وهي جزر شبه مأهولة تاريخياً باستثناء وجود عسكري أو مرشدين بحريين متقطع.

اكتسبت الجزر شهرة دولية في تسعينيات القرن الماضي إثر نزاع مسلح قصير بين اليمن وإريتريا عام 1995 على السيادة عليها، حُسم لاحقاً عام 1998 بتحكيم دولي في لاهاي أقرّ بالسيادة اليمنية على الأرخبيل مع منح إريتريا حقوقاً محدودة في الصيد التقليدي حوله. أما اليوم، فإن قيمتها العسكرية لا تكمن في كونها مأهولة، بل في موقعها الذي يتيح لأي طرف يسيطر عليها مراقبة خط الملاحة الرئيسي في جنوب البحر الأحمر شمال باب المندب، ونشر رادارات أو منصات مراقبة وإنذار مبكر تتيح تتبع حركة الناقلات والسفن الحربية على بعد عشرات الكيلومترات.

خريطة توضح موقع مضيق باب المندب وجنوب البحر الأحمر بين اليمن وإريتريا وجيبوتي
خريطة لمضيق باب المندب ومحيطه الجغرافي في جنوب البحر الأحمر (المصدر: Archer90 عبر ويكيميديا كومنز، رخصة CC BY-SA 3.0)

ردود الفعل اليمنية الرسمية

عبّر سلطان العرادة، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، عن الانهيار الميداني بوصفه “مؤلماً ومؤسفاً”، مؤكداً أن القوات الحكومية “تعيد الآن تنظيم صفوفها وستعود إلى المعركة”، بحسب ما نقلته يورونيوز. في المقابل، قلّل رئيس المجلس رشاد العليمي من حجم الخسائر واصفاً إياها بأنها “عرضية”، وتعهد بأن تواصل الحكومة “استعادة المؤسسات واستكمال السيادة على كامل التراب الوطني”. لم تصدر حتى الآن أي إفادة رسمية من الرياض أو أبوظبي تتناول تحديداً سقوط حنيش الكبرى والصغرى، علماً أن واشنطن كانت قد رفضت قبل يومين طلباً سعودياً بتوجيه ضربات مباشرة ضد الحوثيين، مكتفية بتبادل المعلومات الاستخبارية.

وبحسب وزارة حقوق الإنسان في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، فقد أدّت المعارك المتصلة بهذا التقدم الحوثي منذ 3 سبتمبر/أيلول إلى مقتل نحو 150 مدنياً وإصابة أكثر من 200 آخرين، فيما نزح أكثر من 80 ألف شخص خلال أسبوعين، وفق ما أوردته منظمة الإغاثة الإسلامية العاملة في المنطقة. هذه الأرقام صادرة عن طرف الحكومة اليمنية ولم يتسنَّ التحقق منها بشكل مستقل حتى نشر هذا التقرير.

لماذا يهم هذا التطور العالم العربي؟

الرابط المباشر هو أمن الملاحة وصادرات الطاقة. فمنذ تصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة خلال عام 2026 وتزايد المخاطر في مضيق هرمز، اعتمدت السعودية بشكل متزايد على خط أنابيب الشرق-الغرب ومنافذها على البحر الأحمر (مثل ميناء ينبع) لتصدير جزء من نفطها الخام بعيداً عن هرمز. وقد أوقفت الرياض تشغيل هذا الخط بالفعل مطلع الأسبوع إثر هجوم بمسيّرات، ما يجعل أي تهديد إضافي لأمن البحر الأحمر نفسه أشد وطأة على مرونة صادراتها.

مصر معنية بالقدر نفسه، وإن من زاوية مختلفة: فاستمرار تعطّل الملاحة التجارية في جنوب البحر الأحمر يعني استمرار تحويل السفن نحو رأس الرجاء الصالح بدلاً من قناة السويس، وهو ما يحرم القاهرة من عائدات القناة التي مثّلت أحد أهم مصادر النقد الأجنبي قبل تصاعد هجمات الحوثيين على الملاحة. أما الإمارات، التي دعمت لسنوات قوات محلية في جنوب اليمن وغرب البحر الأحمر، فتخسر بتفكك تلك القوات نقطة ارتكاز كانت تمنحها نفوذاً مباشراً على أحد أهم الممرات المائية في العالم.

على الصعيد البحري العسكري، يترافق هذا التوسع مع إعادة انتشار أميركية ملحوظة في المنطقة، إذ عادت حاملة الطائرات الأميركية “جيرالد فورد” (USS Gerald R. Ford) إلى البحر الأحمر لتعزيز قدرة الرد السريع فوق باب المندب، بينما تواصل مدمرات من طراز “أرلي بيرك” مثل USS Roosevelt (DDG 80) تنفيذ عمليات عبور دورية للمضيق ضمن مهام الأسطول الأميركي الخامس لتأمين حرية الملاحة. كما كانت السعودية أعلنت في يوليو/تموز 2026 عن تحالف بحري متعدد الجنسيات لتأمين الممرات المائية الحيوية، ضم عدداً من الدول العربية والإقليمية، من دون أن تنضم إليه الإمارات أو عُمان حتى الآن.

المدمرة الأميركية USS Roosevelt DDG 80 تعبر مضيق باب المندب
المدمرة الأميركية USS Roosevelt (DDG 80) خلال عبورها مضيق باب المندب، 12 يناير 2026 (المصدر: البحرية الأميركية عبر DVIDS – صورة رسمية بملكية عامة، تصوير: Petty Officer 1st Class Indra Beaufort)

السياق: كيف تراجعت القوات المحلية في غرب اليمن؟

يأتي انهيار خطوط الدفاع حول حنيش والمخا وميون ضمن تصعيد ميداني متسارع استمر أسبوعين، طال الساحل الغربي لليمن بالكامل تقريباً. وبحسب التقارير المتاحة، لم تُبدِ القوات المحلية في حنيش مقاومة تُذكر قبل الانسحاب، في تكرار لنمط شهدته مواقع ساحلية أخرى خلال الفترة نفسها. لم تُقدَّم حتى الآن تفسيرات رسمية شاملة لأسباب هذا الانهيار المتتالي، وتبقى التطورات الميدانية في المنطقة متسارعة وقابلة للتغيّر خلال الساعات المقبلة، خصوصاً في ظل تقارير متزامنة عن هجوم حوثي على منطقة جازان السعودية وعن تصعيد بحري منفصل في مضيق هرمز في الأيام نفسها، ما يعكس اتساع رقعة التوتر البحري حول شبه الجزيرة العربية من محورين مختلفين في آن واحد.

أسئلة شائعة

أين تقع جزيرتا حنيش الكبرى والصغرى بالضبط؟
تقعان في جنوب البحر الأحمر ضمن محافظة الحديدة اليمنية، على بُعد نحو 160 كم شمال مضيق باب المندب، في منتصف المسافة تقريباً بين الساحلين اليمني والإريتري.

هل هذه أول مرة تشهد فيها الجزيرتان نزاعاً على السيادة؟
لا. خاضت اليمن وإريتريا نزاعاً مسلحاً محدوداً على الأرخبيل عام 1995، حُسم عام 1998 بتحكيم دولي في لاهاي أقرّ بسيادة اليمن عليه.

هل تغيّر سيطرة الحوثيين على حنيش من طبيعة التهديد في باب المندب؟
نعم من الناحية الجغرافية، إذ يمتد النفوذ الحوثي إلى ما هو أبعد من المضيق نفسه شمالاً، ما يوسّع المساحة التي يمكن منها مراقبة أو استهداف الملاحة التجارية والعسكرية العابرة لجنوب البحر الأحمر.

هل صدر رد فعل عسكري أميركي أو سعودي مباشر على هذا التطور تحديداً؟
لم يصدر حتى الآن أي رد فعل رسمي أميركي أو سعودي يخص سيطرة الحوثيين على حنيش الكبرى والصغرى تحديداً، وإن كانت الوجود البحري الأميركي في المنطقة (حاملة الطائرات USS Gerald R. Ford ومدمرات الأسطول الخامس) قائماً أصلاً في إطار مهام أوسع لتأمين الممرات المائية.

المصادر

  • Euronews – تفاصيل انسحاب القوات الحكومية من حنيش وتصريحات سلطان العرادة ورشاد العليمي وأرقام النزوح والضحايا.
  • Associated Press (عبر KSAT) – سياق سيطرة الحوثيين المتتالية على الساحل الغربي لليمن وأهمية الممر للصادرات النفطية السعودية.
  • Army Recognition – تفاصيل إعادة انتشار حاملة الطائرات USS Gerald R. Ford في البحر الأحمر.
  • DVIDS – البحرية الأميركية – صورة رسمية لعبور المدمرة USS Roosevelt (DDG 80) مضيق باب المندب.
2 تعليق

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات مشابهة