هل تشكل مركبات برادلي عبئاً لوجستياً طويل الأمد على الجيش السعودي؟
نعم، مركبات برادلي القتالية (M2/M3) تمثل عبئاً لوجستياً طويل الأمد على الجيش السعودي، لكن ليس بالصورة الشائعة عن “ثلاث جيوش عربية تشغّلها”. التحقق الميداني من السجلات الرسمية يُظهر أن المُشغّل العربي الوحيد المؤكَّد لمركبة برادلي الأمريكية هو الجيش السعودي (القوات البرية الملكية السعودية RSLF)، بأسطول يقترب من 400 مركبة من طراز M2A2. مصر لم تشترِ برادلي فعلياً؛ بل طوّرت نموذجاً محلياً وحيداً يستخدم برج برادلي على هيكل M113 ولم يدخل الخدمة. والكويت فحصت برادلي في مناورات 1992 ثم رفضتها واختارت مدرعة Desert Warrior البريطانية بدلاً منها. العبء اللوجستي الحقيقي يقع بالكامل على الرياض، عبر آلية أمريكية تُسمّى “ترتيب الإمداد اللوجستي التعاوني” (CLSSA) تعمل منذ عام 1965 ولا تزال نشطة حتى طلبات 2023 و2024.

ما المشكلة؟
قائمة الانتظار البحثية لهذه الحلقة كانت تفترض أن مصر والسعودية والكويت الثلاث تشغّل برادلي، وأن “المشكلة” هي قطع الغيار والذخيرة بشكل عام. بعد الفحص المصدري، تبيّن أن الافتراض غير دقيق جزئياً، وهذا بالضبط نوع الخلط الذي يستحق التفكيك: الخلط بين مركبة تحمل اسماً أمريكياً، ومركبة تستخدم جزءاً من تصميمها الأمريكي، ومركبة فُحصت ورُفضت. المشكلة الحقيقية، بعد التصحيح، هي أضيق نطاقاً وأعمق أثراً: كيف يحافظ جيش عربي واحد (السعودية) على تشغيل أسطول مدرّع أمريكي بالكامل لعقود، عبر آلية تتطلب موافقة الكونغرس الأمريكي بشكل دوري لتجديد تدفق قطع الغيار؟
كيف تعمل سلسلة الإمداد؟
مركبة برادلي من تصنيع شركة BAE Systems الأمريكية (التي ورثت خط إنتاجها من FMC Corporation ثم United Defense)، ويتم إنتاجها وصيانتها عبر خطوط إنتاج رئيسية في مدينة يورك بولاية بنسلفانيا، مع مواقع دعم في أيكن وأنيستون ومينيابوليس وسان خوسيه وسترلينغ هايتس. أي طلب سعودي لقطع الغيار أو الذخيرة لا يذهب مباشرة إلى BAE Systems؛ بل يمر عبر نظام “ترتيب الإمداد اللوجستي التعاوني” (Cooperative Logistics Supply Support Arrangement – CLSSA)، وهو برنامج تشارك فيه السعودية منذ عام 1965 بحسب وثيقة وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأمريكية (DSCA). يتضمن هذا الترتيب حالتين متكاملتين: “حالة مستوى المخزون” التي تمنح السعودية حصة ضمن نظام التوريد الأمريكي، و”حالة طلبات الشراء” التي تتيح لها السحب المباشر من مخازن الجيش الأمريكي. كل عملية تجديد كبرى لهذا الترتيب تتطلب إشعاراً رسمياً من DSCA إلى الكونغرس قبل تنفيذها.
ما الأجزاء الأكثر حساسية؟
وفق السجلات المتاحة، الحساسية الأكبر تتركز في: (1) مجموعة الذخيرة 25مم لمدفع M242 Bushmaster الرشاش، (2) صواريخ TOW المضادة للدروع التي تُطلق من نسخة M3، (3) مكونات الجر والمحرك الخاصة بالمدرعة (محرك Cummins VTA-903T وناقل الحركة)، (4) الإلكترونيات الرقمية الحديثة في نسخة A4 التي تعتمد على بنية قتالية شبكية موحدة مع الجيش الأمريكي. هذه العناصر الأربعة تحديداً هي ما يرد تكراراً في إشعارات DSCA للسعودية كمواد “قطع غيار وإصلاح مشتركة” (Common spares and repair parts).
جدول خريطة الاعتماد في مركبة برادلي السعودية
| العنصر | المورّد | مستوى الاعتماد (تقييم تحريري) |
|---|---|---|
| هيكل المركبة وبرجها الأساسي | BAE Systems (الولايات المتحدة) | عالٍ — لا يوجد خط تصنيع أو تجميع محلي للهيكل في السعودية |
| محرك ونظام الجر (Cummins VTA-903T) | الولايات المتحدة | عالٍ — قطع غيار المحرك تمر حصراً عبر CLSSA |
| ذخيرة 25مم (M242 Bushmaster) | الولايات المتحدة | عالٍ — لا بديل محلي متوافق مع عيار الفتحة ونظام التغذية |
| صواريخ TOW المضادة للدروع (نسخة M3) | الولايات المتحدة (RTX/BAE) | عالٍ — ذخيرة موجهة تخضع لترخيص تصدير منفصل |
| إلكترونيات A4 الرقمية وبنية الشبكة القتالية | BAE Systems | متوسط إلى عالٍ — يعتمد على نسخة الأسطول السعودي الفعلية (أغلبه M2A2 الأقدم لا A4) |
| التدريب والعقيدة التشغيلية المشتركة | الجيش الأمريكي (USARCENT) | متوسط — شراكة تدريبية مستمرة منذ حرب الخليج 1991 |
منهجية التقييم: “عالٍ” يعني غياب أي مصدر بديل مُتحقَّق منه لدى السعودية لهذا المكوّن وقت كتابة هذا التقرير؛ “متوسط” يعني وجود بعض المرونة التشغيلية أو بدائل جزئية. هذا تقييم تحريري لـ Defence Arabia وليس تصنيفاً رسمياً من أي جهة حكومية.
من يملك التحكم في التوريد؟
الجهة المتحكمة فعلياً هي الحكومة الأمريكية ممثّلة بوزارة الخارجية (التي تصدر الترخيص السياسي) و DSCA (التي تدير الإشعارات والتنفيذ)، وليس BAE Systems بصفتها شركة تجارية مستقلة. الشركة تنتج وتُسلّم، لكن أي صفقة قطع غيار أو ذخيرة تتجاوز عتبة معينة من القيمة يجب أن تُعرض على الكونغرس الأمريكي عبر “إشعار المبيعات العسكرية الأجنبية” (FMS Notification) بمقتضى قانون مراقبة صادرات الأسلحة (Arms Export Control Act)، مع فترة اعتراض نيابية قبل أن تصبح نافذة. بعبارة أخرى: البائع هو الشركة، لكن حامل المفتاح السياسي هو واشنطن.
هل توجد قيود تصدير؟
لم نعثر في هذا البحث على أي حالة حظر أو رفض فعلي موثّق لتصدير برادلي أو قطع غيارها إلى السعودية؛ العلاقة مستمرة دون انقطاع مسجَّل منذ الثمانينيات. لكن هذا لا يعني غياب آلية القيد: فكل تجديد لترتيب CLSSA (تم تسجيله في 2006 بقيمة تقديرية 276 مليون دولار، وفي 2012 بقيمة تصل إلى 300 مليون دولار، وفي 2017 ضمن حالة FMSO II، وفي 2023 بقيمة تقديرية 500 مليون دولار، وفي 2024 عبر إشعار جديد لنفس البرنامج) يخضع لمراجعة سياسية أمريكية قبل الموافقة. هذا يختلف جوهرياً عن “حظر سلاح” (الذي يستهدف دولة بالكامل) أو “عقوبة” (التي تستهدف كياناً مالياً) — هنا الآلية هي “شرط ترخيص تصدير دوري” (Licensing requirement)، أي نافذة تحتاج تجديداً لا إغلاقاً.
ماذا عن قطع الغيار؟
هذا هو جوهر الملف. بحسب تقرير Al-Monitor عن صفقة سبتمبر 2023، فإن طلب السعودية شمل قطع غيار لدبابات أبرامز وM60، ومركبات برادلي، وناقلات المدافع، والمركبات المدرعة المضادة للكمائن، والمركبات المدرّعة الخفيفة، والمدفعية ذاتية الحركة، وأجهزة الرؤية الليلية، وأجهزة الرادار — في صفقة واحدة تقدَّر بنحو 500 مليون دولار، دون أي منظومة جديدة. الصفقة تُنفَّذ بالكامل عبر CLSSA القائم منذ 1965، وأوضحت المسؤولون الأمريكيون أن سحب هذه القطع من مخزون وزارة الدفاع الأمريكية “لن يؤثر سلباً على جاهزية القوات الأمريكية”. هذا يعني عملياً أن الجاهزية السعودية لصيانة أسطولها مرتبطة بجدول أولويات داخلي أمريكي، لا بقرار سعودي مستقل بالكامل.
ماذا عن الذخائر؟
ذخيرة 25مم للمدفع الرشاش، وصواريخ TOW المضادة للدروع، كلاهما ذخائر “ذكية” إلى حد ما (خصوصاً TOW بأنظمة التوجيه السلكي/الراديوي) وتخضع لترخيص تصدير مستقل عن ترخيص المركبة نفسها. لا توجد خطوط تصنيع سعودية لذخيرة 25مم المتوافقة معيارياً مع M242 حتى تاريخ هذا التقرير، وفق المصادر المتاحة؛ وأي تعزيز مستقبلي لهذا الخط يتطلب نقل تكنولوجيا تصنيع يخضع هو نفسه لموافقة أمريكية مسبقة بصفته “بيانات فنية محكومة” بموجب نظام ITAR.

ماذا عن الصيانة؟
الصيانة الثقيلة والتجديد الشامل (Overhaul) لا يزالان مرتبطين ببنية BAE Systems الأمريكية وبرامج CLSSA، لكن الصيانة الميدانية والتدريب التكتيكي يشهدان تكاملاً متزايداً: صورة توثيقية من نوفمبر 2025 (موثّقة عبر DVIDS التابعة للجيش الأمريكي) تُظهر وحدة من القوات البرية الملكية السعودية (RSLF) تشارك لأول مرة في دورة تدريبية كاملة بمركز التدريب الوطني الأمريكي في فورت إروين، كاليفورنيا، إلى جانب الفرقة الثانية/الفرقة الأولى للفرسان الأمريكية. التعليق الرسمي المرفق بالصورة يوضّح أن هذا التعاون التدريبي بين USARCENT والـ RSLF مستمر “منذ عملية عاصفة الصحراء في 1991” — أي أن الاعتماد لا يقتصر على القطع والذخيرة، بل يمتد إلى العقيدة التشغيلية والتأهيل المشترك.
هل توجد بدائل محلية؟
على الجانب السعودي، لا يوجد حتى الآن بديل محلي فعلي لمركبة برادلي بوصفها مدرعة قتال مشاة ثقيلة مجنزرة؛ الشركة السعودية للصناعات العسكرية (SAMI) تتركز حالياً على التجميع والدعم اللوجستي لمنصات أخرى أكثر من تصميم مدرعة مجنزرة أصلية بهذا الحجم. على الجانب المصري، تجربة “المدرعة المصرية القتالية” (EIFV) تستحق التوقف عندها لأنها غالباً ما تُفهم خطأً كدليل على “برادلي مصرية”: هي في الحقيقة نموذج أولي واحد أُنتج عام 1996 في المصنع الحربي 200 بالتعاون مع الهيئة العربية للتصنيع، يستخدم برج برادلي الكامل المُركَّب على هيكل M113 مُكبَّر، وأُنهيت تجاربه الأدائية في 1997 دون أن يدخل الخدمة الفعلية أو الإنتاج التسلسلي. أي أن مصر لم “تشترِ برادلي” بالمعنى الدقيق؛ بل اقتربت من تكنولوجيا برجها ثم لم تُكمل المسار. أما الكويت، فقصتها معكوسة تماماً: في مناورات تنافسية أواخر 1992، اختارت القوات البرية الكويتية مدرعة Desert Warrior البريطانية (من تصميم GKN Defence، المستندة إلى عائلة Warrior البريطانية) بعد تجارب مباشرة قارنتها ببرادلي الأمريكية نفسها — وفضّلتها، لتُصبح الكويت المُشغِّل الأكبر عالمياً لهذا الطراز خارج بريطانيا. هذا مثال نادر وموثَّق على جيش عربي رفض برادلي تحديداً لصالح مصدر أوروبي بعد تقييم مباشر، لا بسبب قيد تصدير بل بسبب تفضيل تقني-سياسي.
من زاوية التنويع الإقليمي الأوسع، تطرح عائلة المركبات المجنزرة التركية ACV-15/ACV-19 من شركة FNSS نموذجاً مختلفاً يستحق الذكر هنا بالضبط لأنه ليس مستقلاً تماماً عن الجذر الأمريكي نفسه: فـ FNSS تأسست أصلاً كمشروع مشترك بين Nurol التركية وFMC Corporation الأمريكية (الشركة الأصلية التي صمّمت برادلي) بموجب اتفاقية 1987، أي أن تركيا ورثت جزءاً من هذا الخط التقني بشروط نقل تكنولوجيا تفاوضت عليها أنقرة على مدى عقود، لا بشراء تجاري بسيط. من يريد مراجعة الملف الفني التفصيلي لهذه العائلة يمكنه الرجوع إلى الملف التقني لعائلة ACV-15/ACV-19 على موقع إنفانتر ميديا، الذي يوثّق تدرّج هذا المسار من اتفاقية الترخيص الأولى إلى التصدير اللاحق لماليزيا والإمارات.
هل يمكن تنويع الموردين؟
نظرياً نعم، وعملياً هذا ما فعلته الكويت فعلاً قبل أكثر من ثلاثة عقود حين اختارت مصدراً أوروبياً مكان الأمريكي لفئة مركبات مماثلة. أما بالنسبة للسعودية تحديداً، فاستبدال أسطول قائم من 400 مركبة برادلي مجنزرة ليس قراراً هيّناً: يتطلب إعادة تدريب كاملة، وبناء خط لوجستي صيانة جديد من الصفر، وتحمّل تكلفة انتقالية ضخمة أثناء استمرار تشغيل الأسطول القديم. التنويع الأكثر واقعية على المدى القريب لا يكون باستبدال برادلي، بل بتوسيع مصادر فئات مدرعة أخرى (كما فعلت الرياض نفسها مع صفقة LAV 700 الكندية لمركبات أخف) بينما يبقى سلاح المشاة الآلي الثقيل مرتبطاً بواشنطن لسنوات مقبلة.
ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟
الدرس الأوسع هنا لا يتعلق بمركبة واحدة، بل بآلية استمرت 60 عاماً (CLSSA منذ 1965) تُظهر كيف يتحوّل الاعتماد العسكري إلى علاقة تعاقدية دورية قابلة للتجديد وليست صفقة لمرة واحدة. أي جيش عربي يدخل في شراء منظومة أمريكية ثقيلة يجب أن يحسب كلفة الـ 20-30 سنة القادمة من قطع الغيار والذخيرة والتدريب، لا فقط كلفة الشراء الأولي. كما تُظهر تجربة الكويت أن الفحص التقني المقارن قبل التوقيع — لا بعده — هو النافذة الحقيقية الوحيدة لتفادي هذا النوع من الاعتماد طويل الأمد، تماماً كما تُظهر تجربة مصر أن محاولة “الاقتراب” من تكنولوجيا مستوردة دون تأمين ترخيص نقل تكنولوجيا كامل قد تتوقف في منتصف الطريق.
المصادر
- وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأمريكية (DSCA) – إشعار ترتيب الإمداد اللوجستي التعاوني للسعودية
- Defense News – US approves $500 million sale for Saudi Arabia’s combat vehicle upkeep (سبتمبر 2023)
- BAE Systems – الصفحة الرسمية لمنتج مركبة برادلي القتالية (الشركة المصنّعة)
- Wikipedia – Egyptian Infantry Fighting Vehicle (EIFV) ونموذجها الوحيد عام 1996
- Shephard Media – قصة Desert Warrior الكويتية كأول نجاح تصديري لعائلة Warrior البريطانية
- Wikipedia – قائمة معدات الجيش السعودي (تأكيد تشغيل M2A2 Bradley)
- Wikimedia Commons / DVIDS – صورة تدريب القوات البرية الملكية السعودية، نوفمبر 2025
ملاحظة تحريرية: هذا التقرير جزء من سلسلة “من يتحكم في الإمداد؟” على Defence Arabia، التي تفحص اعتماد الجيوش العربية على مورّدي أسلحتها من زاوية قطع الغيار والذخيرة والصيانة والترخيص السياسي، لا من زاوية الجاهزية العملياتية الحالية. راجع أيضاً تقريرنا عن اعتماد الجيوش العربية على واشنطن لتشغيل دبابة أبرامز الذي يشارك نفس آلية CLSSA، وتقرير ما مدى قوة الجيش السعودي؟ للسياق العام، وتوضيحنا المفاهيمي ما الفرق بين IFV وAPC؟ لفهم تصنيف برادلي نفسها.