ما مخاطر الاعتماد على مقاتلة F-35 الأمريكية على المدى الطويل؟
باختصار: الإمارات لا تزال، حتى صيف 2026، خارج قائمة الدول المشغّلة لمقاتلة F-35 رغم توقيع حزمة مبدئية بقيمة 23 مليار دولار في يناير 2021 شملت 50 طائرة و18 مسيّرة MQ-9 وذخائر دقيقة بقيمة 10 مليارات دولار. عطّلت أبوظبي المفاوضات في ديسمبر 2021 بعد إصرار واشنطن على شروط أمنية متعلقة بشبكة الجيل الخامس الصينية (Huawei) وأمن التقنية الحسّاسة للمقاتلة. القصة ليست فقط عن ثمن الطائرة، بل عمّا يعنيه الارتباط بها لاحقاً: محرك واحد من مورّد واحد (برات آند ويتني)، نظام لوجستي مركزي تديره واشنطن ولو تغيّر اسمه من ALIS إلى ODIN، ذخائر تحتاج ترخيص تصدير منفصل، وتحديثات برمجية دورية لا تمر إلا عبر الشركة المصنّعة. سابقة تركيا ‑ التي طُردت فعلياً من برنامج F-35 عام 2019 بعد شرائها منظومة S-400 الروسية ‑ تحوّلت إلى الدرس الذي تستحضره كل دولة عربية مرشّحة لشراء الطائرة، الإمارات والسعودية على حدّ سواء.
ما المشكلة؟
المشكلة ليست في أداء F-35 القتالي، بل في طبيعة العلاقة التي يفرضها امتلاكها. مقاتلة الشبح هذه ليست “منتجاً” يُشترى ويُشغَّل بحرية بعد التسليم، بل هي طرف في منظومة مغلقة يتحكم فيها المصنّع والحكومة الأمريكية عبر عقود الترخيص، والبرمجيات، وسلاسل قطع الغيار، وذخائرها الموجهة. أي دولة عربية تدرس شراء F-35 ‑ الإمارات سابقاً، والسعودية اليوم بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مارس 2026 موافقته المبدئية على البيع لها ‑ تدخل في التزام تقني وسياسي يمتد لعقود، وليس في صفقة تسليم لمرة واحدة.
كيف تعمل سلسلة الإمداد؟
تُدار سلسلة إمداد F-35 عالمياً من مركز واحد تقريباً: برنامج المقاتلة المشترك (JPO) التابع لوزارة الدفاع الأمريكية، بالتعاون مع لوكهيد مارتن كمقاول رئيسي وبرات آند ويتني كمورّد وحيد للمحرك. حتى الدول الشريكة الأصلية في تطوير الطائرة (كالمملكة المتحدة وإيطاليا وهولندا) لا تملك حق التصرف المستقل في قطع الغيار أو الشيفرة المصدرية للبرمجيات القتالية؛ فما بالك بدولة “عميل تصدير” (FMS Customer) خارج دائرة الشركاء التسعة الأصليين، وهو الوضع الذي كانت ستدخل فيه الإمارات لو أُتمّت الصفقة. كل قطعة غيار وكل تحديث برمجي يمر نظرياً عبر مستودع عالمي موحّد تديره الولايات المتحدة، لا عبر مخزون وطني للدولة المشغّلة.

ما الأجزاء الأكثر حساسية؟
أربعة عناصر تتركّز فيها حساسية الاعتماد على F-35: المحرك F135 (مورّد واحد لا بديل له لأي متغيّر من الطائرة)، نظام اللوجستيات المركزي (ALIS سابقاً، ويجري استبداله تدريجياً بـODIN)، الذخائر الدقيقة الموجهة (AMRAAM وJDAM وGBU)، والبرمجيات القتالية وتحديثات “الكتلة” (Block) التي تحدد قدرات الرادار AN/APG-81 ومنظومة الاستشعار الموزّع. لا يوجد بديل عربي أو حتى أوروبي مستقل لأي من هذه العناصر الأربعة حالياً.
| العنصر | المورّد | مستوى الاعتماد | ملاحظة منهجية |
|---|---|---|---|
| المحرك (F135) | برات آند ويتني (الولايات المتحدة) | مرتفع | مورّد وحيد لكل متغيّرات الطائرة الثلاثة؛ لا بديل تعاقدي حالياً |
| نظام اللوجستيات (ALIS/ODIN) | لوكهيد مارتن / وزارة الدفاع الأمريكية | مرتفع | مركزية القرار التشغيلي؛ سجلات القطع تُدار عبر شبكة تتحكم بها واشنطن |
| الرادار AN/APG-81 والاستشعار الموزّع | نورثروب غرومان (الولايات المتحدة) | مرتفع | لا يوجد ترخيص تصنيع محلي أو حق تعديل مستقل للمشغّل الأجنبي |
| الذخائر الموجهة (AMRAAM / JDAM / GBU) | RTX وبوينغ (الولايات المتحدة) | مرتفع | كل صفقة ذخيرة تخضع لترخيص تصدير منفصل عن صفقة الطائرة |
| البرمجيات القتالية وتحديثات الكتلة (Block 4) | لوكهيد مارتن | مرتفع | لا وصول للمشغّل إلى الشيفرة المصدرية؛ التحديث مركزي وموحّد عالمياً |
| الهيكل والتجميع النهائي | لوكهيد مارتن (مصنع فورت وورث) | متوسط إلى مرتفع | بعض الدول الشريكة الأصلية (لا اليمنية ولا العربية) تشارك في تصنيع أجزاء هيكلية عبر عقود تعويض محدودة |
منهجية التقييم: “مرتفع” يعني عدم وجود مصدر بديل معتمد أو مرخّص للمكوّن نفسه خارج المورّد الأمريكي المذكور، بناءً على البيانات العلنية لبرنامج JPO وتقارير مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي (GAO) حتى منتصف 2026.
من يملك التحكم في التوريد؟
عملياً، الجهة المتحكمة هي الحكومة الأمريكية عبر ثلاث قنوات متوازية: وكالة التعاون الأمني الدفاعي (DSCA) التي تُصدر إشعارات البيع للكونغرس بموجب قانون التصدير العسكري، ومكتب الصناعة والأمن (BIS) الذي يراقب التقنيات ذات الاستخدام المزدوج، ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) في حال ارتبطت أي معاملة بكيانات مدرجة على قوائم العقوبات. لوكهيد مارتن كمقاول رئيسي لا تملك حرية البيع أو نقل التقنية دون موافقة هذه الجهات مجتمعة، وهو ما يعني أن “المورّد” الفعلي ليس الشركة، بل الحكومة الأمريكية التي تملك حق النقض على كل معاملة تصدير لاحقة.
هل توجد قيود تصدير؟
نعم، عبر أكثر من آلية يجب عدم خلطها ببعضها:
- نظام لوائح الاتجار الدولي بالأسلحة (ITAR): يُخضع كل تصدير لتقنية F-35 ‑ من الطائرة إلى الوثائق الفنية ‑ لترخيص فردي من وزارة الخارجية الأمريكية.
- مبيعات عسكرية أجنبية (FMS): الآلية التعاقدية التي تمر عبرها صفقة الإمارات (والسعودية لاحقاً)، وتشمل إشعاراً رسمياً للكونغرس عبر DSCA يمكن أن يُعلَّق أو يُشترَط سياسياً قبل التوقيع النهائي، كما حدث فعلياً مع حزمة الإمارات في 2021.
- الرقابة على الاستخدام النهائي (End-Use Monitoring): بعثات أمريكية دائمة داخل الدولة المشترية تراقب أن السلاح يُستخدم ويُخزَّن وفق الشروط المتفق عليها، وتشمل تفتيشاً دورياً على الطائرة ومرافقها.
- هذا لا يشمل “حظر سلاح” (Arms Embargo) بالمعنى الكامل ولا “عقوبات” (Sanctions) على الإمارات نفسها ‑ فالإمارات ليست دولة معاقبة، والقيود المطروحة هي شروط ترخيص وأمن تقني (End-User Restrictions) مرتبطة تحديداً بشبكة الجيل الخامس الصينية، وليست حظراً شاملاً على شراء أي سلاح أمريكي.
ماذا عن قطع الغيار؟
حتى الدول المشغّلة الفعلية لـF-35 اليوم تواجه مشكلة موثقة في قطع الغيار: تقارير مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي (GAO) بين 2016 و2020 وثّقت أن نظام ALIS كان يسجّل بيانات قطع غيار خاطئة أو تالفة أو مفقودة في جميع المواقع التي زارها المحققون، ما أدى أحياناً إلى تأريض طائرات جاهزة للطيران بسبب خطأ في السجل الإلكتروني وليس بسبب عطل فعلي. الانتقال إلى نظام ODIN (Operational Data Integrated Network) لم يكتمل بعد بحلول 2026، ما يعني أن أي دولة عربية تدخل البرنامج الآن سترث تحدي انتقال تقني لم يُحسم بعد داخل الجيش الأمريكي نفسه قبل أن يُطرح على الشركاء الأجانب.
ماذا عن الذخائر؟
ذخائر F-35 (AIM-120 AMRAAM، وJDAM، وGBU الموجهة بالليزر) لا تُباع كجزء تلقائي من صفقة الطائرة، بل تخضع كل دفعة منها لإشعار DSCA منفصل وترخيص تصدير مستقل. هذا يعني أن دولة تمتلك الطائرة قد تجد نفسها في وضعية “تملك المنصة دون الذخيرة الكافية” إذا تأخر أو تعثّر ترخيص إضافي، وهي نقطة اعتماد منفصلة تماماً عن مسألة قطع غيار الطائرة نفسها أو محركها.
ماذا عن الصيانة؟
الصيانة الثقيلة (الفحص الشامل للهيكل والمحرك) لا تزال مركّزة في عدد محدود من “مراكز الصيانة الإقليمية” (Regional MRO Hubs) التي تعتمدها واشنطن ولوكهيد مارتن، وليست حرة الإنشاء من قبل أي دولة مشغّلة. الإمارات لا تملك اليوم أي بنية صيانة معتمدة لـF-35 لأنها ببساطة ليست دولة مشغّلة بعد؛ وحتى لو أُتمّت الصفقة مستقبلاً، فإن اعتماد أي مركز صيانة إقليمي عربي (على غرار ما تسعى له السعودية عبر SAMI) يتطلّب موافقة أمنية أمريكية منفصلة عن عقد الشراء نفسه، لأن الصيانة الثقيلة تعني التعامل مع بيانات تقنية حساسة مشمولة بـITAR.
هل توجد بدائل محلية؟
لا يوجد حالياً بديل عربي أصلي (Indigenous) من الجيل الخامس أو ما يقاربه؛ مشاريع التصنيع العربي في هذه الفئة (مثل مساهمات الإمارات والسعودية في برامج تعاون دولية) لا تزال في طور التجميع أو المشاركة الجزئية وليست تصميماً وطنياً مستقلاً. البديل الأقرب على المدى المتوسط هو المقاتلة التركية KAAN، التي تطورها شركة TUSAŞ وتستخدم في نسختها الأولى محرك أمريكي (GE F110) قبل الانتقال المخطط له إلى محرك تركي محلي (TEI-TF6000/TF10000) في مراحل لاحقة ‑ وهو ما يعني أن KAAN نفسها ليست معفاة اليوم من اعتماد مماثل على مورّد محرك أجنبي، وإن كانت خارطة طريقها نحو محرك وطني أوضح بكثير من أي مسار مطروح لـF-35. مقارنة تفصيلية بين المقاتلتين متوفرة في تحليل Envanter Medya التقني لـKAAN مقابل F-35.
هل يمكن تنويع الموردين؟
على مستوى المنصة نفسها، لا: لا يوجد تكوين تعاقدي يسمح بدمج محرك أو رادار أو نظام أسلحة من مورّد ثالث داخل هيكل F-35 دون موافقة لوكهيد مارتن والحكومة الأمريكية، بخلاف بعض المقاتلات الأوروبية التي تتيح هامشاً أكبر لدمج ذخائر محلية. التنويع الممكن عربياً يبقى على مستوى “سلة التسليح الوطنية” ككل ‑ أي الجمع بين F-35 (أو مقاتلات أمريكية أخرى) ومنصات من مصادر مختلفة، كما تفعل بالفعل قطر التي تشغّل F-15QA وRafale وTyphoon معاً، وهو نمط تناولته Defence Arabia سابقاً في تحليل لماذا تشغّل قطر ثلاث مقاتلات مختلفة معاً؟. لكن هذا التنويع يقلّل الاعتماد على “دولة واحدة” في سلة القوة الجوية ككل، دون أن يلغي الاعتماد الكامل على واشنطن داخل كل طائرة F-35 بمفردها.

ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟
سابقة تركيا هي أوضح تحذير عملي متاح للدول العربية: طُردت أنقرة فعلياً من برنامج تطوير F-35 في يوليو 2019 بعد شرائها منظومة S-400 الروسية، رغم كونها شريكاً مؤسساً في البرنامج منذ التسعينيات ومساهماً صناعياً فيه. أقرّ الكونغرس الأمريكي المادة 1245 من قانون تفويض الدفاع الوطني (NDAA) للسنة المالية 2020 لتقنين هذا المنع، وربطته بشرط تخلّي تركيا الكامل عن S-400 لإعادة النظر في الملف ‑ وهو شرط لم يتحقق حتى صيف 2026. الدرس هنا ليس “لا تشترِ من أمريكا”، بل أن دخول منظومة F-35 يعني قبول شرط سياسي/تقني دائم قد يُستخدم لاحقاً كأداة ضغط، بصرف النظر عن حجم الاستثمار السابق في البرنامج. بالنسبة للإمارات، يعني ذلك أن أي استئناف مستقبلي للمفاوضات سيأتي مصحوباً على الأرجح بشروط مشابهة لتلك التي عطّلت الصفقة في 2021 (تحديداً حول البنية التحتية الصينية للاتصالات)، بينما تدخل السعودية اليوم مساراً مشابهاً بعد إعلان مارس 2026، ما يجعل من الضروري لصانع القرار العربي التمييز بين “امتلاك المنصة” و”امتلاك القدرة على تشغيلها بلا قيد سياسي” ‑ وهما أمران مختلفان تماماً في حالة F-35.
| الدولة/الطرف | الحدث | الآلية القانونية | النتيجة الموثّقة |
|---|---|---|---|
| تركيا | شراء منظومة S-400 الروسية (2019) | إخراج من برنامج JPO + المادة 1245 من NDAA FY2020 (تشريع كونغرس)، إلى جانب عقوبات CAATSA على هيئة الصناعات الدفاعية التركية SSB | طرد فعلي من إنتاج وتسليم F-35؛ استمرار الحظر حتى صيف 2026 |
| الإمارات | خلاف حول شبكة Huawei للجيل الخامس والشروط الأمنية (2021) | تعليق إشعار DSCA / شرط ترخيص تصدير (وليس عقوبة أو حظر سلاح) | تعليق المفاوضات من الجانب الإماراتي نفسه في ديسمبر 2021؛ لم تُستأنف رسمياً حتى منتصف 2026 |
المصادر
- تقرير مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي GAO-20-316 عن نظام لوجستيات F-35 (ALIS)
- شهادة GAO أمام الكونغرس حول إعادة تصميم نظام لوجستيات F-35
- تقرير خدمة أبحاث الكونغرس (CRS) حول تركيا وF-35 والمادة 1245 من NDAA
- وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأمريكية (DSCA): إشعار بيع F-35 للإمارات، نوفمبر 2020
- برات آند ويتني: الصفحة الرسمية لمحرك F135 (الشركة المصنّعة)
- Defense News: طرد تركيا رسمياً من برنامج F-35 (يوليو 2019)
- South China Morning Post: تعليق الإمارات مفاوضات F-35 وسط مخاوف أمريكية من الصين
- معهد واشنطن: تحليل مفاوضات F-35 الإماراتية
- Envanter Medya: استثمار برات آند ويتني في مصنع قطع غيار F135 ببولندا
[…] […]
[…] […]