لماذا اختارت ألمانيا F-35 الأمريكية بدلاً من تأهيل يوروفايتر تايفون نووياً؟
لم يكن قرار برلين استبدال مقاتلات Tornado القديمة بطائرة F-35A الأمريكية مجرد صفقة تسليح عادية، بل كان حسماً لجدل صناعي وسياسي استمر نحو خمس سنوات حول هوية الطائرة التي ستحمل مستقبلاً القنبلة النووية الأمريكية B61 ضمن ترتيب “الشراكة النووية” في حلف الناتو. فبين 2017 و2022 تنقّلت ألمانيا بين خيار يوروفايتر تايفون الأوروبي، وخيار مختلط يجمع Boeing F/A-18E/F Super Hornet وEA-18G Growler، قبل أن تحسم الحرب الروسية على أوكرانيا الجدل لصالح F-35، على غرار ما فعلته فنلندا في مسار مختلف تماماً قبل عام واحد فقط بوصفها الطائرة الوحيدة التي امتلكت مساراً أمريكياً جاهزاً وسريعاً لحمل السلاح النووي، مع الاحتفاظ بيوروفايتر لمهمة مختلفة تماماً هي قمع الدفاعات الجوية والحرب الإلكترونية.
لماذا اختارت ألمانيا F-35 بدلاً من يوروفايتر أو سوبر هورنت؟
- مسار أمريكي جاهز لحمل القنبلة النووية B61-12 أنجزته القوات الجوية الأمريكية رسمياً في أكتوبر 2023، بينما كان تأهيل يوروفايتر لهذه المهمة يحتاج -بتقديرات محللين غربيين- من 3 إلى 5 سنوات إضافية دون ضمانة واضحة.
- ضغط زمني سياسي بعد “نقطة التحول” الألمانية (Zeitenwende) التي أعلنها المستشار أولاف شولتس بعد أيام من الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، وحاجة لحسم ملف ظل معلقاً منذ 2018.
- بنية دعم لوجستي أوروبية جاهزة جزئياً لمقاتلة F-35 (خط تجميع نهائي في إيطاليا، ومنشأتا صيانة محركات في هولندا والنرويج) أسهل من بناء مسار تأهيل نووي مستقل ليوروفايتر.
- الانسجام مع مسار حلفاء الشراكة النووية الآخرين؛ هولندا كانت قد بدأت فعلاً نقل مهمتها النووية إلى طائرات F-35 قبل ألمانيا.
- لم يكن القرار استبعاداً كاملاً ليوروفايتر: احتفظت به ألمانيا لمهمة قمع الدفاعات الجوية والحرب الإلكترونية عبر نسخة ECR جديدة، أي تقسيماً للمهمتين بين طائرتين لا فوزاً حاسماً لطراز واحد.
أين تقف الصفقة؟ الحالة الرسمية للتعاقد والتسليم
بحسب إشعار وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأمريكية (DSCA) الصادر في 28 يوليو 2022 (رقم الإحالة 22-53)، وافقت واشنطن على بيع محتمل لـ35 مقاتلة F-35A لألمانيا بقيمة سقفية قدرها 8.4 مليار دولار، على أن تحل محل أسطول Tornado المتقاعد في مهمة الشراكة النووية بالناتو. وفي 14 ديسمبر 2022 وافقت لجنة الموازنة في البرلمان الألماني (Bundestag) على التمويل، ووُقّع في نفس اليوم خطاب العرض والقبول (LOA) الذي أدخل ألمانيا رسمياً في برنامج F-35.
أما على مستوى التسليم الفعلي، فإن أول طائرة ألمانية (الرقم التسلسلي 35+01) حلّقت تجريبياً في 8 سبتمبر 2026 من مصنع لوكهيد مارتن في فورت وورث بتكساس، وسُلِّمت رسمياً للجانب الألماني في حفل بالموقع نفسه يوم 18 سبتمبر 2026 بحضور وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، الذي وصف اللحظة بأنها “بداية عصر جديد لسلاح الجو الألماني”. غير أن الطائرة -ومعها أول ثماني طائرات- ستبقى في الأراضي الأمريكية للتدريب في قاعدة إيبينغ الجوية الوطنية بولاية أركنساس، على أن يبدأ وصول الطائرات الفعلي إلى قاعدة بوخل الألمانية في الربع الثالث من عام 2027، مع جاهزية تشغيلية أولية (IOC) مستهدفة في 2029 وجاهزية كاملة وتقاعد نهائي لأسطول تورنادو بحلول 2029-2030. بعبارة أخرى: الصفقة في حالة “عقد موقّع وتسليم جارٍ خارج الأراضي الألمانية”، ولم تصل أي طائرة فعلياً إلى ألمانيا حتى تاريخ نشر هذا الملف.

حاجة ألمانيا: تورنادو الطائرة الوحيدة المؤهلة لحمل القنبلة النووية
يقوم نظام “الشراكة النووية” في الناتو على مبدأ تخزين قنابل B61 الأمريكية في قواعد جوية لدى عدد محدود من الدول الحليفة، على أن تتولى طائرات حربية من تلك الدول نفسها -بعد تأهيل أمني وتقني تُشرف عليه الولايات المتحدة حصراً- مهمة إسقاطها في حال اتخاذ قرار سياسي مشترك داخل الحلف. وتشير بيانات مجمع الباحث الأمريكي المستقل (Federation of American Scientists)، التي نقلتها Breaking Defense، إلى أن نحو 100 قنبلة B61 موزعة على خمس دول مستضيفة هي ألمانيا وبلجيكا وهولندا وإيطاليا وتركيا.
وفي الحالة الألمانية، كانت مقاتلات Tornado IDS المتمركزة في قاعدة بوخل الجوية هي الطائرة الوحيدة المؤهلة تاريخياً لهذه المهمة -لا يوروفايتر ولا أي طراز آخر في الخدمة الألمانية. ومع تقادم الأسطول (دخل الخدمة في الثمانينيات) وتحديد موعد تقاعده بحلول 2030، وجدت برلين نفسها أمام سؤال لا هامش طويل للمراوحة فيه: أي طائرة ستخلف تورنادو في مهمة لا تستطيع أي دولة في الناتو أن تقرر بمفردها تأهيل طائرة جديدة لها، لأن شهادة حمل السلاح النووي تمنحها واشنطن حصراً عبر عملية تقنية وأمنية تديرها القوات الجوية الأمريكية.
تورنادو: أكثر من 40 عاماً من الخدمة في مهمة لا تتكرر
دخلت مقاتلات Tornado IDS الخدمة في سلاح الجو الألماني مطلع الثمانينيات، وأكملت وحدة بوخل (المعروفة تاريخياً بـ Jagdbombergeschwader 33 والمعروفة اليوم بـ Taktisches Luftwaffengeschwader 33) تحوّلها الكامل من مقاتلات F-104 Starfighter إلى تورنادو بحلول 30 مايو 1985. ومنذ ذلك الحين، وبعد انسحاب السلاح النووي الأمريكي من قاعدة ميمينغن الألمانية في 1996، أصبحت بوخل القاعدة الوحيدة المتبقية في ألمانيا التي تخزّن قنابل B61 وتحتفظ بطائرات مؤهلة لحملها، بإشراف سرب الدعم الذخائري الأمريكي 702nd Munitions Support Squadron الموجود في الموقع نفسه.
المهم هنا أن مهمة تورنادو كانت في الواقع مهمتين منفصلتين لا مهمة واحدة: المهمة النووية في بوخل، ومهمة قمع الدفاعات الجوية والحرب الإلكترونية (SEAD/ECR) التي كانت تؤديها وحدة أخرى تماماً هي Jagdbombergeschwader 31 “Boelcke” في قاعدة نورفينيش. وهذا التمييز ضروري لفهم القرار الألماني اللاحق: فحين وقع الاختيار على F-35 لم يكن ذلك استبدالاً شاملاً لتورنادو بطائرة واحدة، بل توزيعاً للمهمتين على طائرتين مختلفتين تماماً -كما سيأتي تفصيله.

المرشحون المنافسون: كيف خرج يوروفايتر وسوبر هورنت من المعادلة؟
لم تكن الطريق إلى F-35 مباشرة، بل مرّت بثلاث محطات متعارضة خلال خمس سنوات فقط:
2017-2018: محاولة تأهيل يوروفايتر نووياً. في أكتوبر 2017 وصف مسؤول رفيع في سلاح الجو الألماني طائرة F-35 بأنها “الخيار المفضل” لسلاح الجو بشكل غير رسمي. لكن برلين طلبت رسمياً في أبريل 2018 من الجانب الأمريكي بحث إمكانية تأهيل يوروفايتر تايفون -المُصنَّعة أوروبياً عبر تحالف Airbus وBAE Systems وشركة ليوناردو (Leonardo) الإيطالية- لحمل قنابل B61، في مسعى واضح لإبقاء الحل ضمن الصناعة الأوروبية.
2020: خطة الشراء المزدوج. كشفت صحيفة Handelsblatt الألمانية، في تقارير نقلتها Defense News وThe Aviationist في مارس وأبريل 2020، أن وزيرة الدفاع حينها أنيغريت كرامب-كارنباور أخطرت نظيرها الأمريكي مارك إسبر رسمياً في 16 أبريل 2020 بخطة شراء مُجزّأة: حتى 30 طائرة F/A-18E/F Super Hornet لتحمل المهمة النووية، و15 طائرة EA-18G Growler لمهمة الحرب الإلكترونية، وحتى 90 طائرة يوروفايتر إضافية للمهام التقليدية. وبرّرت ألمانيا تفضيل سوبر هورنت على يوروفايتر في المهمة النووية تحديداً بأن شركة بوينغ الدفاعية (Boeing Defense) أكدت إمكانية تأهيله ضمن الجدول الزمني الألماني، بينما قدّر تحليل مركز الدراسات الشرقية في وارسو (OSW) أن تأهيل يوروفايتر نووياً سيستغرق من 3 إلى 5 سنوات أطول، نظراً لأن عملية الشهادة النووية تُدار بالكامل من جانب القوات الجوية الأمريكية وتصعب بالتبعية إلحاق طائرة غير أمريكية بها بالسرعة ذاتها.
مارس 2022: الانقلاب الكامل لصالح F-35. بعد أيام فقط من الغزو الروسي لأوكرانيا (24 فبراير 2022) وخطاب “نقطة التحول” الذي ألقاه المستشار أولاف شولتس أمام البرلمان (27 فبراير)، أعلنت وزيرة الدفاع كريستينا لامبريخت في 14 مارس 2022 أن ألمانيا ستشتري 35 طائرة F-35A أمريكية لتحمل المهمة النووية بدلاً من تورنادو، في “انقلاب كبير” على موقف برلين السابق الذي استبعد F-35 من المنافسة عام 2019. والمفارقة أن يوروفايتر لم يخرج تماماً من الصورة: احتفظت به ألمانيا لمهمة قمع الدفاعات الجوية والحرب الإلكترونية عبر نسخة Eurofighter ECR جديدة بدلاً من السعي لتأهيله نووياً، أي أن القرار النهائي كان تقسيماً للمهمتين بين طائرتين لا حسماً أحادياً لصالح طراز واحد.
وبحسب ما نقلته Overt Defense عن تصريحات مسؤولي وزارة الدفاع الألمانية، فإن اختيار F-35 “يضمن مهمة الشراكة النووية” بشكل لم تستطع المسارات الأخرى ضمانه بنفس درجة اليقين الزمني -لا لأن الطائرة “أفضل” تقنياً بالضرورة، بل لأنها الطريق الأقصر والأكثر تأكيداً إلى شهادة أمريكية جاهزة.
الجدول الزمني: من “التفضيل غير الرسمي” إلى أول طائرة مُسلَّمة
أكتوبر 2017 — مسؤول عسكري ألماني يصف F-35 بأنها “الخيار المفضل” بشكل غير رسمي.
أبريل 2018 — برلين تسأل واشنطن رسمياً عن إمكانية تأهيل يوروفايتر تايفون لحمل القنبلة النووية.
مارس-أبريل 2020 — تسريب وتأكيد رسمي لخطة شراء مُجزّأة: سوبر هورنت للمهمة النووية + Growler للحرب الإلكترونية + يوروفايتر إضافي للمهام التقليدية.
24 فبراير 2022 — الغزو الروسي لأوكرانيا.
27 فبراير 2022 — خطاب “Zeitenwende” لشولتس وإعلان صندوق التسليح الخاص بـ100 مليار يورو.
14 مارس 2022 — إعلان رسمي بشراء 35 طائرة F-35A للمهمة النووية، واحتفاظ يوروفايتر بمهمة الحرب الإلكترونية عبر نسخة ECR.
10 يونيو 2022 — البوندسرات يوافق بأغلبية الثلثين على التعديل الدستوري المنشئ لصندوق الـ100 مليار يورو.
28 يوليو 2022 — إشعار DSCA الأمريكي بموافقة محتملة على بيع بقيمة سقفية 8.4 مليار دولار.
14 ديسمبر 2022 — موافقة لجنة الموازنة البرلمانية وتوقيع خطاب العرض والقبول (LOA) في اليوم نفسه.
أغسطس-سبتمبر 2023 — بدء إنشاء مصنع راينميتال لأجزاء هيكل F-35 في فيزه.
12 أكتوبر 2023 — القوات الجوية الأمريكية تُنهي رسمياً شهادة F-35A لحمل القنبلة B61-12.
8 سبتمبر 2026 — أول طلعة تجريبية لأول طائرة ألمانية في فورت وورث.
18 سبتمبر 2026 — حفل تسليم رسمي بحضور وزير الدفاع بيستوريوس؛ الطائرات تبقى في أمريكا للتدريب.
الربع الثالث 2027 (مخطط) — أول وصول للطائرات إلى قاعدة بوخل الألمانية.
2029 (مستهدف) — الجاهزية التشغيلية الأولية (IOC).
2029-2030 (مستهدف) — الجاهزية الكاملة وتقاعد أسطول تورنادو نهائياً.
التكلفة: سقف العقد مقابل الأرقام المتضاربة
كما في معظم صفقات الأسلحة الأمريكية عبر برنامج البيع العسكري الخارجي (FMS)، فإن الرقم الأول المعلن ليس السعر النهائي بل سقف الصفقة الممكنة. فإشعار DSCA في يوليو 2022 حدد سقفاً قدره 8.4 مليار دولار يشمل الطائرات والمحركات وصواريخ AIM-120C-8 AMRAAM وAGM-158B/B2 JASSM-ER والتدريب والدعم اللوجستي -لا سعر الطائرة الواحدة. وحين وافق البرلمان الألماني على التمويل الفعلي في ديسمبر 2022، تحدثت تقارير متعددة (من بينها Breaking Defense) عن تمويل بقيمة 8.4 مليار يورو (نحو 8.8 مليار دولار)، بينما أشارت تقارير أخرى إلى أرقام متفاوتة تتراوح بين 8.3 و10 مليارات يورو تقريباً بحسب ما يشمله الرقم من ذخائر وبنية تحتية، ورقماً أعلى (نحو 13 مليار دولار) ورد في مصدر واحد فقط دون أن يتكرر في مصادر أخرى موثوقة -وهو ما يجعله رقماً شاذاً يجب التعامل معه بحذر لا كرقم نهائي معتمد.
لا يوجد حتى تاريخ النشر رقم رسمي واحد متّفق عليه بدقة لإجمالي كلفة البرنامج بعد التحديثات اللاحقة، كما لا يوجد سعر منفرد معلن لكل طائرة -وتحذيرنا الصريح هنا: قسمة أي رقم إجمالي (8.4 أو 10 مليارات) على 35 طائرة لإنتاج “سعر الطائرة الواحدة” هو استنتاج تحليلي خاطئ، لأن الرقم يشمل منظومات وذخائر وتدريباً وبنية دعم لا تخص جسم الطائرة فقط. كما أضافت ألمانيا في يونيو 2025 عقداً منفصلاً تماماً مع شركة Kongsberg النرويجية لشراء صواريخ Joint Strike Missile (JSM) المخصصة لأسطول F-35، بقيمة تقارب 564 مليون يورو -وهو عقد ذخائر إضافي لا يُحسب جزءاً من الصفقة الأصلية.
أما كلفة تطوير البنية التحتية في قاعدة بوخل نفسها، فتتضارب الأرقام المتاحة فيها بشكل لافت: وثيقة برلمانية ألمانية (Drucksache 20/8080) تشير إلى رقم رسمي أقرب إلى 170 مليون يورو لأعمال بناء محددة، في حين تتحدث مصادر ثانوية عن برنامج إنشاءات أوسع تصل كلفته إلى ملياري يورو تقريباً -ومن المرجح أن الفارق الكبير بين الرقمين يعود إلى اختلاف نطاق كل منهما (أعمال بناء محددة مقابل برنامج تحديث شامل متعدد السنوات) أكثر من كونه تناقضاً حقيقياً، لكن لا يوجد مصدر واحد يوحّد الرقمين، لذا نعرضهما كما وردا دون حسم.
التصنيع المحلي: مصنع في فيزه بدلاً من خط تجميع كامل
على عكس يوروفايتر تايفون، الذي كانت ألمانيا شريكاً صناعياً كاملاً فيه عبر خط تجميع نهائي لشركة Airbus في مدينة مانشينغ، فإن طائرات F-35A الألمانية الـ35 جميعها تُصنَّع بالكامل في مصنع لوكهيد مارتن بفورت وورث في تكساس، دون خط تجميع نهائي محلي في ألمانيا. وبدلاً من ذلك، حصلت برلين على عنصر صناعي محدود لكنه حقيقي: في 17 فبراير 2023 وقّعت شركة Rheinmetall الألمانية خطاب نوايا مع Lockheed Martin وNorthrop Grumman لإنشاء خط تجميع متكامل ثانٍ لتصنيع أقسام الهيكل الأوسط (center fuselage) لطائرة F-35 في منشأة جديدة بمطار فيزه (Weeze) في ولاية شمال الراين-وستفاليا.
وبدأت أعمال إنشاء المصنع فعلياً في حفل تأسيس أُقيم في أغسطس-سبتمبر 2023، على أن يصل المصنع -بحسب بيانات Rheinmetall نفسها- إلى طاقة إنتاجية تصل حتى 185 قسم هيكل سنوياً بالتعاون مع Northrop Grumman، باستهداف تصنيع 400 قسم هيكل على الأقل لصالح ألمانيا ودول صديقة أخرى ضمن برنامج F-35 العالمي، ويشغّل المصنع أكثر من 400 موظف. ورغم أن هذا لا يعادل عمق التوطين الصناعي الذي كان متاحاً عبر يوروفايتر، فإنه يمثل تعويضاً صناعياً حقيقياً مرتبطاً مباشرة بقرار الشراء، لا وعداً تسويقياً فقط.
برنامج التسليم والبنية التحتية في قاعدة بوخل
تُصنّف وزارة الدفاع الألمانية جزءاً كبيراً من البنية التحتية القديمة لقاعدة بوخل، التي بُنيت في عصر تورنادو، بأنها “غير قابلة لإعادة الاستخدام” مع F-35 نظراً لمتطلبات أمنية وتقنية مختلفة تتعلق بالأنظمة المصنّفة للطائرة، وهو ما يفرض أعمال بناء جديدة تشمل تحديث وتحصين الحظائر القائمة. وتستهدف الخطة الرسمية إنهاء أعمال رصف المدرج بحلول فبراير 2026، واستمرار برنامج الإنشاءات الأوسع حتى 2028 على الأقل دون تعطيل العمليات الجوية الحالية، في حين تقول وزارة الدفاع إن إنجاز “حرم F-35” من حظائر وورش ومكاتب تشغيل بحلول نهاية نوفمبر 2026 “غير مهدد” حتى الآن بفضل إجراء تعاقدي معجّل.
وبانتظار اكتمال هذه الاستعدادات، تبقى أول ثماني طائرات ألمانية في الأراضي الأمريكية بقاعدة إيبينغ الجوية الوطنية بأركنساس لتدريب الطيارين والتقنيين، على أن يبدأ الوصول الفعلي للطائرات إلى بوخل في الربع الثالث من 2027 -أي بعد نحو خمس سنوات من توقيع العقد النهائي، فارق زمني يعكس طبيعة برنامج F-35 الدولي الذي يضع كل عميل جديد في طابور إنتاج وتدريب يمتد لسنوات.

الذخائر والمنظومة اللوجستية
تشمل حزمة التسليح المرافقة للصفقة -بحسب إشعار DSCA- صواريخ جو-جو من طراز AIM-120C-8 AMRAAM وصواريخ كروز بعيدة المدى من طراز AGM-158B/B2 JASSM-ER، وهي منظومات جديدة كلياً على سلاح الجو الألماني الذي لم يشغّل أياً منها مع أسطول تورنادو. وفي يونيو 2025 أضافت ألمانيا طبقة لوجستية أخرى عبر عقد مستقل مع شركة Kongsberg النرويجية لشراء صاروخ Joint Strike Missile (JSM) المضاد للسفن والأهداف البرية، المصمَّم خصيصاً للتوافق مع حجرة أسلحة F-35 الداخلية دون المساس بخصائصها الشبحية.
أما العنصر الأهم في هذا الملف تحديداً فهو الشهادة النووية نفسها: أعلن المتحدث باسم مكتب برنامج F-35 المشترك (JPO) راس غوماري، في تصريح خاص لموقع Breaking Defense نشرته المجلة في مارس 2024، أن القوات الجوية الأمريكية أنهت رسمياً في 12 أكتوبر 2023 شهادة التشغيل لطائرات F-35A المخصصة لوحدات معينة لحمل قنبلة B61-12 النووية، قبل الموعد المستهدف مع الناتو في يناير 2024 بعدة أشهر، في ما وُصف بأنه “أول طائرة نووية من الجيل الخامس في العالم” -جيل تقني يرتكز أساساً على خفض البصمة الرادارية (RCS)-، وأول طراز جديد كلياً يحصل على هذه الشهادة منذ أوائل التسعينيات. وتجدر الإشارة إلى أن هولندا سبقت ألمانيا عملياً في نقل مهمة الإسقاط النووي الكامل إلى طائراتها من طراز F-35، بحسب تقارير The War Zone، ما يجعل ألمانيا لاحقة لا سابقة في هذا المسار ضمن مجموعة حلفاء الشراكة النووية.
السياق السياسي: Zeitenwende وصندوق المئة مليار واعتراضات الخضر
جاء الإعلان عن صفقة F-35 في 14 مارس 2022 كأول صفقة تسليح كبرى تُعلن رسمياً في ظل سياسة “Zeitenwende” (نقطة التحول) التي تبنّاها المستشار أولاف شولتس في خطابه أمام البرلمان بعد ثلاثة أيام فقط من الغزو الروسي لأوكرانيا، والتي أعلن فيها تخصيص صندوق خاص بقيمة 100 مليار يورو لتحديث الجيش الألماني (Sondervermögen Bundeswehr) خارج الموازنة السنوية العادية. ووافق البوندسرات (الغرفة التمثيلية للولايات الألمانية) في 10 يونيو 2022 على التعديل الدستوري اللازم لإنشاء هذا الصندوق بأغلبية الثلثين المطلوبة دستورياً، باعتباره استثناءً من “كابح الدين” الدستوري الألماني. وتموَّلت صفقة F-35 بالكامل من هذا الصندوق الخاص لا من الموازنة الدفاعية العادية.
لم يكن القرار خالياً من الاعتراض الداخلي: فحزب الخضر، الشريك في الائتلاف الحاكم مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي، كان قد تبنّى موقفاً تاريخياً معارضاً للشراكة النووية، وسعى في مؤتمر داخلي للحزب في يناير 2022 إلى تمرير مقترح يعلّق تأهيل أي طائرة خلف لتورنادو لحمل السلاح النووي لحين إجراء نقاش مجتمعي أوسع -قبل أن يُسحب هذا المقترح في إطار تفاهم ائتلافي سبق إعلان القرار النهائي بأسابيع. وبعد الإعلان، وجّهت منظمة السلام الدولية Greenpeace ويسار حزب “دي لينكه” (غير المشارك في الحكومة) انتقادات علنية للصفقة، مطالبَين بسحب كامل السلاح النووي الأمريكي من الأراضي الألمانية بدلاً من تجديد منصة حمله.
جدول مقارنة: F-35A في مواجهة المرشحين السابقين
| العنصر | F-35A (الخيار النهائي) | Eurofighter Typhoon (مرشح نووي سابق) | F/A-18E/F Super Hornet (مرشح 2020) |
|---|---|---|---|
| المهمة المطروحة | الشراكة النووية (إسقاط B61-12) | طُرح لتأهيل نووي، استُبعد من هذه المهمة تحديداً | طُرح ضمن خطة شراء مُجزّأة 2020، لم يُنفَّذ |
| حالة الشهادة النووية | معتمدة رسمياً من القوات الجوية الأمريكية (12 أكتوبر 2023) | غير معتمدة؛ لم تُستكمل عملية التأهيل | غير معتمدة للنسخة الحديثة (فقط Hornet القديمة كانت مؤهلة سابقاً) |
| تقدير زمن التأهيل النووي | متوفر جاهزاً عبر برنامج أمريكي قائم | 3-5 سنوات إضافية بحسب تحليل OSW وارسو | غير مؤكد؛ Boeing أكدت إمكانية تأهيله ضمن جدول ألماني لم يتحقق |
| التصنيع/الصيانة في ألمانيا | لا تجميع نهائي؛ مصنع هيكل جزئي في فيزه (Rheinmetall) | خط تجميع نهائي كامل في مانشينغ (Airbus) | لا توطين صناعي ألماني مطروح في الخطة |
| القيمة التعاقدية | سقف 8.4 مليار دولار/8.4-10 مليارات يورو تقريباً (حزمة كاملة) | غير معلن (لم يصل لمرحلة عقد) | غير معلن (لم يصل لمرحلة عقد) |
| الحالة النهائية | عقد موقّع، تسليم جارٍ خارج ألمانيا | احتُفظ به لمهمة مختلفة (الحرب الإلكترونية عبر نسخة ECR) | أُلغي الخيار كلياً في مارس 2022 |
| تاريخ الحسم | 14 مارس 2022 | 2018-2020 (محاولات تأهيل غير مكتملة) | 2020 (خطة مُعلنة لم تُنفَّذ) |
الميزة الأبرز: لم يكن الحسم لصالح F-35 قائماً على تفوّق تقني مطلق على يوروفايتر أو سوبر هورنت، بل على أنها الطريق الوحيد الذي يملك مساراً أمريكياً جاهزاً وموثّقاً لحمل السلاح النووي ضمن جدول زمني يمكن الوثوق به -في وقت كانت ألمانيا تحت ضغط سياسي عاجل لحسم ملف ظل معلّقاً منذ 2018.
أبرز القيود: غياب خط تجميع نهائي كامل على الأراضي الألمانية (خلافاً ليوروفايتر)، وفارق زمني طويل بين توقيع العقد (ديسمبر 2022) والوصول الفعلي الأول للطائرات إلى الأراضي الألمانية (الربع الثالث من 2027 المخطط)، إضافة إلى عدم توافر رقم تكلفة نهائي موحّد حتى اليوم وسط تضارب الأرقام المعلنة بين 8.3 و13 مليار يورو/دولار بحسب المصدر.
ماذا تعني هذه الصفقة للعالم العربي؟
لا ترتبط ألمانيا بترتيب الشراكة النووية لدول الخليج أو العالم العربي بطبيعة الحال، لكن ملف F-35 الألماني يحمل ثلاثة دروس غير مباشرة ذات صلة بنقاشات التسلح العربية الجارية. أولها أن سرعة أو بطء عملية التصديق الأمريكية الداخلية -وليس فقط القدرة التقنية للمنصة- يمكن أن تكون العامل الحاسم في اختيار سلاح جو حتى لحليف أوروبي مقرّب كألمانيا؛ وهو درس مباشر لدول خليجية تتفاوض حالياً مع واشنطن حول صفقات F-35 أو منظومات حساسة أخرى تخضع لعمليات تصديق وتأهيل أمريكية داخلية طويلة قد تفوق في تأثيرها عامل السعر أو الأداء. وثانيها نموذج “تقسيم المهمة” الذي اعتمدته ألمانيا -الاحتفاظ بطائرة قائمة لمهمة معينة بدل استبدالها بالكامل، مع إدخال طراز جديد لمهمة أخرى- وهو نمط رأته المنطقة العربية فعلاً في ملفات نُشرت ضمن هذه السلسلة، مثل جمع الكويت بين Eurofighter Typhoon وSuper Hornet، أو احتفاظ قطر بثلاثة طرز مقاتلة معاً. وثالثها أن التعويض الصناعي الجزئي -مثل مصنع Rheinmetall لأجزاء الهيكل في فيزه بدل خط تجميع كامل- يمثّل نموذجاً وسطاً واقعياً بين التوطين الكامل وغياب أي مشاركة صناعية، وهو نمط تسعى إليه أيضاً برامج التوطين الدفاعي الخليجية مثل GAMI وSAMI في السعودية وEDGE في الإمارات عند التفاوض على منصات أمريكية عالية الحساسية كـF-35، التي تُعرف تاريخياً بتعويضات صناعية محدودة مقارنة بمنصات أوروبية كيوروفايتر أو رافال.
الأسئلة الشائعة
كم طائرة F-35 طلبتها ألمانيا؟
35 طائرة من طراز F-35A، بحسب خطاب العرض والقبول الموقّع في 14 ديسمبر 2022، وهو الرقم المؤكد في كل المصادر الرسمية والصحفية الموثوقة، مقابل رقم “32 طائرة” الذي يظهر خطأً في صفحة واحدة تابعة لموقع لوكهيد مارتن نفسها ولا يتطابق مع أي مصدر حكومي آخر.
هل استلمت ألمانيا طائرات F-35 فعلياً؟
تم تسليم أول طائرة رسمياً للجانب الألماني في حفل بفورت وورث بتكساس يوم 18 سبتمبر 2026، لكنها لم تصل الأراضي الألمانية بعد؛ الوصول المتوقع إلى قاعدة بوخل الجوية مجدول للربع الثالث من 2027.
ما الفرق بين دور تورنادو ويوروفايتر وF-35 في المهمة الألمانية؟
كانت تورنادو الطائرة الوحيدة المؤهلة لحمل السلاح النووي ولمهمة الحرب الإلكترونية معاً عبر وحدتين مختلفتين. ستتولى F-35 المهمة النووية وحدها بدءاً من 2029 تقريباً، بينما يحتفظ يوروفايتر بمهمة الحرب الإلكترونية وقمع الدفاعات الجوية عبر نسخة ECR جديدة -لا بالمهمة النووية.
كم تكلف الصفقة؟
سقف 8.4 مليار دولار بحسب إشعار DSCA الأمريكي، مع تقديرات برلمانية ألمانية تتراوح بين 8.3 و10 مليارات يورو تقريباً للحزمة الكاملة (طائرات، محركات، ذخائر، تدريب)، دون رقم نهائي موحّد معلن حتى اليوم ودون سعر منفرد معلن للطائرة الواحدة.
هل توجد مشاركة صناعية ألمانية في الصفقة؟
محدودة لكنها حقيقية: مصنع جديد لشركة Rheinmetall في فيزه لتصنيع أقسام من هيكل الطائرة الأوسط (حتى 185 قسماً سنوياً بالتعاون مع Northrop Grumman)، دون خط تجميع نهائي كامل كما كان الحال مع يوروفايتر في مانشينغ.
الخلاصة
بالنظر إلى الضغط الزمني السياسي الذي فرضته “نقطة التحول” الألمانية بعد فبراير 2022، وإلى أن طريق تأهيل يوروفايتر نووياً ظل معلّقاً دون نتيجة واضحة لأربع سنوات كاملة، يبدو اختيار F-35 مفهوماً من زاوية السرعة واليقين في إنجاز مهمة لا تملك برلين وحدها القدرة على حسمها دون موافقة أمريكية. لكن هذا الاختيار جاء على حساب فرصة توطين صناعي أعمق كانت متاحة تقنياً عبر يوروفايتر، وما زال يحمل فجوة زمنية طويلة بين توقيع العقد والوصول الفعلي للطائرات إلى الأراضي الألمانية، إضافة إلى أرقام تكلفة غير موحّدة تماماً حتى اليوم. هذان العنصران -جدول التسليم الفعلي حتى 2027-2029، والرقم النهائي لتكلفة البرنامج بعد أي تحديثات لاحقة- يبقيان أهم ما ينبغي مراقبته في هذا الملف مستقبلاً.
المصادر
- وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأمريكية (DSCA) — إشعار 28 يوليو 2022 الرسمي بالبيع المحتمل بسقف 8.4 مليار دولار.
- The Aviationist — تفاصيل موافقة وزارة الخارجية الأمريكية على الصفقة، يوليو 2022.
- Overt Defense — إعلان 14 مارس 2022 واحتفاظ يوروفايتر بمهمة الحرب الإلكترونية.
- esut.de — سياق الشراكة النووية الألمانية ومهمة بوخل.
- The War Zone (TWZ) — تفاصيل خطة الشراء المُجزّأة 2020 (سوبر هورنت وGrowler ويوروفايتر).
- The Aviationist — تأكيد وزارة الدفاع الألمانية رسمياً خطة الشراء المُجزّأة، أبريل 2020.
- Janes — توقيع خطاب العرض والقبول (LOA) في 14 ديسمبر 2022.
- Breaking Defense — الشهادة الرسمية لـF-35A لحمل القنبلة B61-12 في 12 أكتوبر 2023.
- Rheinmetall — بيان رسمي عن إنشاء مصنع هيكل F-35 في فيزه.
- vergabeblog.de — موافقة البوندسرات على صندوق الـ100 مليار يورو في 10 يونيو 2022.
- الجزيرة — حفل تسليم أول طائرة F-35 ألمانية في 18 سبتمبر 2026 وتصريحات بيستوريوس.
- Defense News — أول تسريب لخطة الشراء المُجزّأة، مارس 2020.
آخر تحديث: 23 أكتوبر 2026.