لماذا اختارت قطر Eurofighter Typhoon؟ من الحصار الخليجي إلى سرب “12” المشترك مع بريطانيا
آخر تحديث: 5 أكتوبر 2026.
حين أعلنت الدوحة في سبتمبر 2017 عزمها شراء 24 مقاتلة Eurofighter Typhoon بريطانية، لم يكن القرار نتيجة مفاضلة تقنية بين أنظمة متنافسة، بل جاء في لحظة سياسية بالغة الحساسية: بعد ثلاثة أشهر فقط من فرض السعودية والإمارات ومصر والبحرين حصاراً دبلوماسياً واقتصادياً على قطر. لم تكن طائرة Typhoon تتنافس مع Rafale الفرنسية أو F-15QA الأمريكية على عقد واحد؛ فقطر كانت تملك الصفقتين الأخريين أو في طريقها لإغلاقهما بالفعل. القرار هنا كان من نوع مختلف: تنويع الشراكات الاستراتيجية مع الغرب في لحظة عزلة إقليمية، وإنقاذ خط إنتاج بريطاني كان على وشك التوقف، مقابل الحصول على سرب مشترك غير مسبوق مع سلاح الجو الملكي البريطاني. تسعة سنوات بعد ذلك الإعلان، تجد تلك الصفقة نفسها في قلب حرب حقيقية مع إيران، وفي قلب صفقة إقليمية جديدة تحوّل فيها قطر من مشترٍ إلى مُعيد تصدير محتمل لطائراتها المستعملة إلى تركيا.
لماذا اختارته قطر؟ أهم الأسباب
- سياسي-استراتيجي: تنويع الشراكات الدفاعية الغربية مع بريطانيا في أعقاب الحصار الخليجي 2017، دون الاعتماد الكامل على فرنسا (Rafale) أو الولايات المتحدة (F-15QA) وحدهما.
- صناعي متبادل: إنقاذ خط إنتاج BAE Systems في Warton من التوقف المحتمل بعد غياب طلبات تصدير جديدة، مقابل حزمة تدريب وصيانة محلية في الدوحة.
- تشغيلي-رمزي: تأسيس سرب “12” المشترك بين سلاح الجو الملكي البريطاني والقوات الجوية الأميرية القطرية، أول سرب مشترك من نوعه للراف منذ الحرب العالمية الثانية.
- تقني-تكاملي: تقاطع جزئي في منظومة الذخائر مع أسطول Rafale القطري عبر صاروخ Meteor من MBDA، بعكس أسطول F-15QA الأمريكي المنفصل تماماً.
- زمني: موافقة تصديرية بريطانية-أوروبية سريعة نسبياً دون الاعتراضات الألمانية الطويلة التي عطّلت صفقات مماثلة لتركيا والسعودية.
أولاً: أين تقف الصفقة بالضبط؟ ثلاث حالات منفصلة لا تُخلط
قبل أي تحليل، يجب التمييز بدقة بين ثلاث صفقات مختلفة زمنياً وقانونياً تحت اسم “تايفون قطر”، لأن الخلط بينها هو أكثر خطأ شائع في التغطية الإعلامية لهذا الملف:
- الدفعة الأولى (2017): 24 مقاتلة Typhoon + 9 طائرات تدريب Hawk T2، بموجب بيان نوايا وُقّع في 17 سبتمبر 2017 بين وزير الدفاع البريطاني آنذاك مايكل فالون ونظيره القطري، تحوّل إلى عقد تنفيذي نهائي في 10 ديسمبر 2017 بقيمة تقارب 6 مليارات جنيه إسترليني (نحو 8 مليارات دولار). الحالة: A — مكتملة التسليم تقريباً. بدأ التسليم الفعلي في 15 أغسطس 2022 (حفل تسلّم أولي في Warton)، واستمر تدريجياً حتى اقترب الأسطول الأصلي من إكمال تسليم الـ24 طائرة بحلول أواخر 2025.
- الدفعة الثانية (2024): طلبية إضافية لـ12 طائرة Typhoon جديدة أعلنتها الدوحة رسمياً في الأسابيع الأولى من ديسمبر 2024، بالتزامن مع زيارة أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى لندن ولقائه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، بقيمة تقديرية 2.8 مليار جنيه إسترليني لصالح منشأتي BAE في Warton وSamlesbury. الحالة: B/D — طلبية مؤكدة حكومياً، لكن العقد التنفيذي النهائي لم يُوقَّع بعد حتى تاريخ هذا التقرير، إذ لا تزال التفاصيل (الطراز التقني بالضبط وشروط الدفع) قيد التفاوض بحسب Army Recognition.
- صفقة منفصلة تماماً وعكسية الاتجاه (2025-2026): مفاوضات تركية-قطرية لشراء حتى 12 طائرة Typhoon مستعملة من الدفعة الأولى القطرية المُسلَّمة فعلياً، إلى جانب 12 طائرة أخرى من سلطنة عُمان. الحالة: D — مفاوضات متقدمة، بعد أن رفعت ألمانيا حظرها على هذا النوع من إعادة التصدير ضمن اتحاد يوروفايتر في يوليو 2025. الطائرة الأولى من قطر كانت متوقعة الوصول إلى تركيا بحلول فبراير 2026. هذه الصفقة لا علاقة لها بـ”لماذا اختارت قطر تايفون”؛ هي بالأحرى قصة عن قطر كمُعيد تصدير محتمل، وتُعامَل هنا كسياق لاحق لا كجزء من قرار الشراء الأصلي.
بعبارة أخرى: حين يُقال “قطر تملك 24 تايفون”، يجب التأكد من التاريخ الذي يشير إليه الحديث، لأن القوام النشط الفعلي داخل السلاح الجوي القطري في أي لحظة من عام 2026 يتوقف على توقيت تسليم الطلبية الثانية مقابل توقيت خروج الطائرات المتجهة إلى تركيا.

خط زمني: من الحصار الخليجي إلى سرب “12” المشترك وحرب 2026
ثانياً: لماذا احتاجت قطر إلى طراز ثالث أصلاً؟
قبل عقد Typhoon، كانت قطر قد حسمت فعلياً مسار تنويع أسطولها الجوي عبر صفقتين متوازيتين: 36 مقاتلة Rafale فرنسية (عقدان في 2015 و2016) و36 مقاتلة F-15QA أمريكية (عقد 2017 أيضاً). وقد سبق لـ”ديفنس أرابيا” أن فصّلت في تقرير مستقل لماذا تشغّل قطر ثلاث مقاتلات مختلفة معاً المنطق العام لهذا التنويع الثلاثي: تقليل الاعتماد على مصدّر واحد، وتوسيع شبكة العلاقات الدفاعية مع أكثر من قوة غربية كبرى في وقت واحد. لكن ذلك التقرير لم يتعمّق في الدافع الخاص بصفقة Typhoon نفسها، والذي يختلف جوهرياً عن دافع صفقة Rafale.
فبينما كانت صفقة Rafale نتيجة تقييم تنافسي فعلي شارك فيه عدة مرشحين بين 2011 و2012 (كما فصّلنا في تقرير “لماذا اختارت قطر مقاتلة Rafale”)، فإن صفقة Typhoon لم تكن نتيجة مناقصة تقنية منافسة على الإطلاق. لا تشير أي مصادر مفتوحة موثقة إلى أن طائرات أخرى كانت “مرشحة” لهذا العقد المحدد وخسرته؛ القرار اتُخذ مباشرة كصفقة سياسية-حكومية بين الدوحة ولندن، في سياق مختلف كلياً عن ظروف صفقة Rafale.
ثالثاً: السياق السياسي الحاسم — حصار 2017
في 5 يونيو 2017 قطعت السعودية والإمارات والبحرين ومصر علاقاتها الدبلوماسية والتجارية مع قطر، وأغلقت الحدود البرية والبحرية والجوية في وجهها. بعد أقل من ثلاثة أشهر وبينما كانت الأزمة في ذروتها، وقّع وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون بيان نوايا مع نظيره القطري في 17 سبتمبر 2017. وصف فالون الاتفاق رسمياً بأنه “أول عقد دفاعي كبير مع قطر، وهي من الشركاء الاستراتيجيين لبريطانيا… لحظة مهمة في علاقتنا الدفاعية” بحسب بيان وزارة الدفاع البريطانية الرسمي، مؤكداً أن الهدف يشمل أيضاً “تعزيز التعاون الأمني الإقليمي” وتحسين التوافق التشغيلي لطائرات Typhoon بين دول مجلس التعاون الخليجي (التي تشغّلها أيضاً السعودية والكويت وعُمان).
بالنسبة للدوحة، كانت الرسالة السياسية واضحة: تأمين شريك دفاعي غربي كبير آخر لا يشارك في الحصار، وتعميق العلاقة الأمنية مع بريطانيا في لحظة عزلة إقليمية حادة. لم تحتج قطر إلى طائرة قتالية إضافية بالمعنى العملياتي الملح، بقدر ما احتاجت إلى تثبيت شراكاتها الاستراتيجية مع أكثر من عاصمة غربية في الوقت نفسه.
رابعاً: البُعد الصناعي المتبادل — من أنقذ من؟
الزاوية الأقل تناولاً في هذه الصفقة هي أنها لم تكن “استجدائية” من جانب قطر وحدها؛ بل كانت أيضاً صفقة إنقاذ لصناعة بريطانية. فبحسب تقارير 2017 المواكبة للصفقة، كانت BAE Systems تحذّر من أنها قد تضطر لإيقاف خط إنتاج Typhoon في مصنع Warton بحلول 2019 ما لم تحصل على طلبات تصدير جديدة، بعد أن أوشكت طلبات دول الاتحاد الأربع (بريطانيا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا) والكويت على الاكتمال. صفقة قطر لـ24 طائرة كانت أكبر طلبية تصديرية لـTyphoon في عقد كامل، وأعطت لندن ورقة تفاوضية أقوى مع الدوحة من موقع “من يحتاج من” المتبادل، لا موقع “البائع المتوسل” وحده.
هذا التوازن انعكس في حزمة الصفقة نفسها: لم تقتصر على الطائرات، بل شملت صواريخ Meteor بعيدة المدى وASRAAM قصيرة المدى جو-جو من MBDA، وذخائر Brimstone الدقيقة، وقنابل Paveway IV من Raytheon، إضافة إلى 9 طائرات تدريب Hawk T2 (رُفع العدد لاحقاً من 6 إلى 9 في المفاوضات النهائية). كما أسّست BAE Systems معهداً تقنياً متخصصاً في الدوحة لتدريب التقنيين القطريين على دعم منصات القوات المسلحة القطرية المتقدمة مستقبلاً، عبر شركة BSL المشتركة (49% لصالح BAE و51% لصالح شركة Strategic Aerospace Services القطرية)، والتي تتولى خدمات الصيانة والتدريب للأسطولين (Typhoon وHawk).
خامساً: سرب “12” — الشراكة التي تجاوزت بيع الطائرة
أبرز نتيجة رمزية غير متكررة لهذه الصفقة هي إعادة تشكيل السرب 12 التابع لسلاح الجو الملكي البريطاني في 24 يوليو 2018 كـسرب مشترك يضم طياري وفنيي القوات الجوية الأميرية القطرية إلى جانب نظرائهم البريطانيين، ومتمركز في قاعدة RAF Coningsby بمقاطعة لينكولنشير. هذا هو أول سرب مشترك للراف البريطاني من هذا النوع منذ الحرب العالمية الثانية، ووصفته لندن بأنه الترتيب الوحيد من نوعه الذي تملكه بريطانيا مع أي دولة أخرى في العالم.
عملياً، أتاح هذا الترتيب لطياري وفنيي القوات الجوية القطرية بناء خبرة تشغيلية حقيقية على طائرة Typhoon قبل استلام أسطولهم الخاص بالكامل، وشارك السرب المشترك في مناورات مشتركة متكررة في قطر نفسها (من “Epic Skies III” في 2019 إلى “Epic Skies” الأحدث التي بدأت في 29 نوفمبر 2025). كما وثّقت وزارة الدفاع البريطانية رحلات تعريفية لكبار المسؤولين القطريين، بما فيها رحلة لنائب رئيس الوزراء القطري ووزير الدولة للدفاع على متن مقاتلة Typhoon تابعة للسرب 12 مع تزود بالوقود جواً من طائرة Voyager التابعة للسرب 101.

سادساً: الاستخدام العملياتي الفعلي — من التدريب إلى حرب حقيقية
لم تبق هذه الشراكة رمزية فقط. في 23 يونيو 2025، وفي إطار “حرب الاثني عشر يوماً” بين إسرائيل وإيران، أطلقت طهران صواريخ باليستية على قاعدة العديد الجوية الأمريكية في قطر رداً على الضربات الأمريكية على منشآت نووية إيرانية في اليوم السابق. اعترضت بطاريات باتريوت الأمريكية والقطرية معظم الصواريخ (13 من أصل 14 بحسب الرواية القطرية)، ولم تُسجَّل خسائر في الأرواح، لكن القبة الرادارية البيضاء في القاعدة تضررت بحسب صور الأقمار الصناعية وتأكيد المتحدث باسم البنتاغون.
مع تصاعد التوترات الإقليمية مجدداً في مطلع 2026، أعلنت وزارة الدفاع البريطانية في 5 مارس 2026 نشر 4 مقاتلات Typhoon إضافية لتعزيز الدفاع الجوي عن قطر، لتنضم إلى 4 طائرات أخرى تابعة للسرب المشترك 12 الموجودة بالفعل في الإمارة. وبحسب تقارير Janes، تمكّنت مقاتلة Typhoon تابعة للسرب 12 من اعتراض وتدمير طائرة مسيّرة إيرانية فوق الأراضي القطرية في 1 مارس 2026. هذه الحادثة تحوّل قصة “لماذا اختارت قطر Typhoon” من قرار سياسي-صناعي بحت إلى استثمار دفاعي أثبت قيمته التشغيلية الفعلية في مواجهة تهديد حقيقي ومباشر.

سابعاً: البُعد التقني — أين يتقاطع Typhoon مع بقية الأسطول القطري؟
من الزاوية التقنية البحتة، لا يمثّل Typhoon “ترقية” أو “تراجعاً” واضحاً عن Rafale أو F-15QA؛ الثلاثة مقاتلات من الجيل 4.5 بأداء متقارب في أغلب المعايير، مع فوارق تصميم تاريخية (محركان في الثلاثة، لكن فلسفات هوائية ديناميكية مختلفة). النقطة التقنية الأكثر أهمية عملياً هي منظومة الذخائر: أسطولا Rafale وTyphoon القطريان يحملان كلاهما صاروخ Meteor بعيد المدى من MBDA (ذخيرة أوروبية مشتركة)، بينما يعتمد أسطول F-15QA الأمريكي على منظومة ذخائر مختلفة تماماً (AIM-120 AMRAAM وغيرها)، وهو تقاطع نذكره أيضاً في تقرير Rafale القطري لأنه يقلّل من تعقيد لوجستيات الذخائر بين طرازين من ثلاثة.
| العنصر | Eurofighter Typhoon (قطر) | Dassault Rafale (قطر) | Boeing F-15QA (قطر) |
|---|---|---|---|
| بلد المصدر | بريطانيا (اتحاد رباعي أوروبي) | فرنسا | الولايات المتحدة |
| عدد الطلبية الإجمالي | 24 (2017) + 12 (2024، عقد غير مكتمل) | 36 | 36 |
| سنة العقد الأول | 2017 | 2015/2016 | 2017 |
| بداية التسليم الفعلي | أغسطس 2022 | فبراير 2019 | يناير 2022 |
| الذخيرة الجوية الرئيسية بعيدة المدى | Meteor (MBDA) | Meteor (MBDA) | AIM-120 AMRAAM |
| تصنيع/توطين محلي في قطر | لا يوجد (صيانة وتدريب فقط عبر BSL) | لا يوجد (تدريب فقط) | غير معلن بتفاصيل توطين صناعي |
| مسار تنافسي موثق قبل التعاقد | لا — صفقة سياسية مباشرة | نعم — تقييم 2011-2012 | غير موثق كمناقصة منفصلة |
| سعر الحزمة الإجمالي المُعلن | ~6 مليارات جنيه إسترليني (2017) + ~2.8 مليار (2024) | غير مُفصَّل علناً لكل عقد قطري | غير مُعلن للعقد القطري |
ملاحظة: الأرقام أعلاه تمثل قيمة الحزمة الكاملة (طائرات + ذخائر + تدريب + دعم)، لا سعر الوحدة؛ قسمة القيمة الإجمالية على عدد الطائرات تعطي رقماً مضلِّلاً لأنه يشمل بنوداً غير متعلقة بهيكل الطائرة نفسها.
ثامناً: البُعد السياسي-التصديري — لماذا لم تتعطل الصفقة كما حدث مع تركيا والسعودية؟
يخضع تصدير Eurofighter Typhoon لحق النقض المتبادل بين الدول الأربع المُصنِّعة (بريطانيا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا)، وهو ما عطّل لسنوات طويلة صفقات مماثلة لتركيا والسعودية بسبب اعتراضات ألمانية (مرتبطة بسياسات تصدير الأسلحة الألمانية الأكثر تشدداً، وملفات حقوقية مثل حرب اليمن وقضية خاشقجي في حالة الرياض، كما فصّلنا في تقرير السعودية ودفعة Typhoon الثانية). بالمقابل، لا تشير مصادر مفتوحة موثقة إلى أي اعتراض ألماني رسمي على صفقة قطر الأصلية لعام 2017؛ بل حدّثت بريطانيا ترخيصها العام للتصدير (OGEL) ليشمل قطر بحلول 17 يناير 2018 دون تعطيل يُذكر، بحسب موقع WorldECR المتخصص في ضوابط التصدير.
هذا التباين نفسه يتكرر الآن في الاتجاه المعكوس: موافقة ألمانيا الأخيرة في يوليو 2025 على السماح بإعادة تصدير طائرات Typhoon قطرية وعُمانية مستعملة إلى تركيا — بعد سنوات من الرفض الألماني لبيع تركيا طائرات Typhoon جديدة مباشرة — تكشف أن الموقف الألماني تجاه “تركيا” كعميل نهائي كان العقدة الأصلية، لا تجاه “قطر” كدولة بيع أولى. بعبارة أخرى: قطر لم تواجه حاجز برلين أساساً، لكنها أصبحت الآن جزءاً من الحل الذي يتجاوز ذلك الحاجز لصالح تركيا.
ماذا تعني هذه الصفقة للعالم العربي؟
تقدّم تجربة قطر مع Typhoon نموذجاً مختلفاً عن أغلب صفقات التسليح الخليجية التقليدية: هنا، الدولة الأصغر نسبياً في حجم اقتصادها الدفاعي استطاعت أن تتحوّل من “عميل يتوسل صفقة” إلى “شريك يُنقذ خط إنتاج”، واستخدمت تلك الورقة للحصول على ترتيب عسكري رمزي (سرب مشترك) يتجاوز في عمقه السياسي ما حصلت عليه دول أكبر في صفقات مماثلة. كما تُظهر الحالة القطرية أن تنويع مصادر التسليح بين ثلاث قوى غربية كبرى في وقت واحد (بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة) ليس مجرد شعار، بل استراتيجية فعلية لتوسيع شبكة الضمانات الأمنية، وهو نموذج تدرسه دول خليجية أخرى تسعى للموازنة بين علاقاتها مع واشنطن وموردين أوروبيين. وأخيراً، فإن ظهور قطر كمُعيد تصدير محتمل لمعدات عسكرية غربية (صفقة Typhoon المستعملة إلى تركيا) يشير إلى مرحلة أكثر نضجاً في أسواق التسلح الإقليمية، حيث تبدأ بعض الدول العربية الغنية بالتحوّل تدريجياً من مستورد صرف إلى حلقة وسيطة في سلاسل التسليح العالمية.
أسئلة شائعة
هل خسرت طائرات أخرى مناقصة أمام Typhoon في قطر؟
لا يوجد دليل على مناقصة تنافسية فنية موحّدة لهذا العقد تحديداً؛ القرار جاء كصفقة سياسية-حكومية مباشرة بين الدوحة ولندن في سياق حصار 2017، بخلاف المسار التنافسي الموثق الذي شهدته صفقة Rafale القطرية سابقاً.
هل تصنع قطر أي جزء من طائرة Typhoon محلياً؟
لا. التوطين محدود بالصيانة والتدريب التقني عبر شركة BSL المشتركة مع BAE Systems، دون أي تصنيع أو تجميع فعلي داخل قطر.
كم تدفع قطر فعلياً لكل طائرة؟
لا يوجد سعر وحدة معلن رسمياً؛ الأرقام المتاحة (6 مليارات جنيه للدفعة الأولى، 2.8 مليار للدفعة الثانية) هي قيم حزم كاملة تشمل الذخائر والتدريب والدعم، وقسمتها على عدد الطائرات تعطي رقماً غير دقيق.
هل ستبقى الطائرات الـ24 الأصلية جميعها في الخدمة القطرية؟
غير مؤكد بدقة؛ مفاوضات متقدمة تجري لنقل حتى 12 طائرة منها إلى تركيا كمستعملة، في وقت لم تكتمل بعد تسليمات الطلبية الثانية (12 طائرة جديدة) التي من المفترض أن تعوّض هذا النقص تدريجياً.
خلاصة
بالنظر إلى سياق العزلة الإقليمية التي عاشتها قطر في 2017، وإلى النتيجة التشغيلية الفعلية التي أثبتتها الصفقة في مواجهة التهديد الإيراني بحلول 2025-2026، يبدو اختيار Typhoon مفهوماً بوضوح من زاوية بناء الشراكات الاستراتيجية المتعددة لا من زاوية “أفضل طائرة تقنياً”. الصفقة حقّقت هدفها السياسي الأساسي بامتياز (شراكة بريطانية عميقة، سرب مشترك، استخدام عملياتي فعلي)، لكنها تبقى أضعف نسبياً من الناحية الصناعية (لا تصنيع محلي) مقارنة بتطلعات التوطين التي تتبناها دول خليجية أخرى، بينما يظل مصير الطلبية الثانية وقوام الأسطول النهائي بعد صفقة تركيا من أهم العناصر التي يجب مراقبتها في الأشهر المقبلة.
المصادر
- UK Government (gov.uk) — بيان النوايا الأصلي سبتمبر 2017 وتصريح وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون.
- Al Jazeera — تفاصيل توقيع العقد النهائي في ديسمبر 2017 بقيمة 8 مليارات دولار.
- Defense News — تفاصيل حزمة الذخائر وطائرات Hawk المصاحبة للصفقة.
- The Defense Post — تسلّم أول دفعة طائرات في أغسطس 2022.
- Wikipedia — No. 12 Squadron RAF — تفاصيل تأسيس السرب المشترك البريطاني-القطري في 2018.
- Royal Air Force — تفاصيل عمليات السرب المشترك 12 ومناورات Epic Skies.
- Army Recognition — تفاصيل طلبية الـ12 طائرة الإضافية في ديسمبر 2024.
- Defence Security Asia — قيمة الطلبية الثانية (2.8 مليار جنيه إسترليني) وربطها بزيارة أمير قطر إلى لندن.
- WorldECR — تحديث الترخيص العام البريطاني للتصدير (OGEL) ليشمل قطر في يناير 2018.
- Bloomberg — مفاوضات تركيا لشراء طائرات Typhoon قطرية وعُمانية مستعملة.
- Overt Defense — رفع ألمانيا حظرها على تصدير/إعادة تصدير Typhoon إلى تركيا في يوليو 2025.
- Wikipedia — Iranian strikes on Al Udeid Air Base — تفاصيل الهجوم الصاروخي الإيراني على قاعدة العديد في يونيو 2025.
- Janes — نشر مقاتلات Typhoon إضافية لتعزيز الدفاع الجوي عن قطر في مارس 2026 واعتراض طائرة مسيّرة إيرانية.
- DefenceArabia — التقرير الداخلي السابق عن تشغيل قطر ثلاث مقاتلات معاً.
- DefenceArabia — التقرير الداخلي السابق عن التقييم التنافسي لصفقة Rafale القطرية.
[…] حول خلفية هذه الصفقة السياسية والعسكرية، راجع تحليل Defence Arabia الكامل حول اختيار قطر لمقاتلة Typhoon. وطلبت قطر أيضاً 6 طائرات تدريب متقدم من طراز M-346 ضمن […]