الحوثيون يسيطرون على باب المندب بالكامل بعد الاستيلاء على جزيرة ميون والمخا

الحوثيون يسيطرون على باب المندب بالكامل بعد الاستيلاء على جزيرة ميون والمخا

أحكم مقاتلو جماعة الحوثي المدعومة من إيران سيطرتهم على مضيق باب المندب بالكامل، بعد استيلائهم خلال عملية عسكرية سريعة استغرقت نحو 18 ساعة على جزيرة ميون (بريم) ومدينتي المخا وذُباب على الساحل الغربي لليمن، منتزعين إياها من قوات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والمدعومة من الرياض. وبهذا التطور، بات نحو ثلث حركة الملاحة البحرية العالمية عرضة لتهديد فاعلَين مسلحَين غير تابعَين لدول، بعد أن كانت إيران قد فرضت قبل ذلك قيودًا على الملاحة في مضيق هرمز ضمن الحرب الدائرة منذ فبراير/شباط 2026.

صورة بالأقمار الصناعية لمضيق باب المندب
مضيق باب المندب كما يظهر بصورة من القمر الصناعي Terra التابع لناسا (المصدر: NASA/METI/AIST/فريق ASTER، ملكية عامة).

ماذا حدث؟

بحسب ما أوردته شبكة NBC News، بدأت قوات الحوثي هجومها بالاستيلاء على ميناء المخا التاريخي يوم الخميس 10 سبتمبر/أيلول 2026، قبل أن تتقدم في اليوم التالي نحو ذُباب ثم جزيرة ميون الواقعة في منتصف المضيق تمامًا، لتُكمل بذلك سيطرتها على كامل الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر. وانسحبت قوات الحكومة اليمنية المدعومة سعوديًا من الجزيرة دون مقاومة تُذكر، في وقت كان فيه المجلس الانتقالي الجنوبي -وهو فصيل مدعوم سعوديًا أيضًا- منشغلاً بصراعات داخلية مع فصائل موالية له، وفق التقرير نفسه.

وأكدت شبكة يورونيوز أن جزيرة ميون، التي تقسم باب المندب إلى ممرين ملاحيين، تحوّلت بذلك إلى نقطة ارتكاز تتحكم منها الجماعة عمليًا في حركة السفن العابرة من وإلى البحر الأحمر، فيما حذّرت المنظمة الدولية للهجرة من نزوح ما لا يقل عن 46 ألف شخص منذ تصاعد المعارك في المنطقة.

الموقف الرسمي ورد الفعل الدولي

لم تصدر الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا حتى كتابة هذا التقرير بيانًا تفصيليًا حول ظروف انسحاب قواتها من الجزيرة. أما الولايات المتحدة، فبحسب ما نقلته NBC News، فقد استبعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الوقت الراهن توجيه ضربات عسكرية ضد مواقع الحوثيين في هذا الملف تحديدًا، مكتفيًا بتقديم دعم استخباراتي وتحديد أهداف (targeting assistance) للقوات السعودية. ولم يصدر حتى الآن أي تعليق رسمي من الرياض أو القاهرة على فقدان السيطرة على الجزيرة تحديدًا، وإن كانت السعودية قد أعلنت في اليوم نفسه إيقاف تشغيل خط أنابيب “الشرق-الغرب” الاستراتيجي إثر هجوم منفصل بمسيّرات انطلقت من الأراضي العراقية.

ما هو باب المندب ولماذا يحظى بكل هذه الأهمية؟

يفصل باب المندب، الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه نحو 29 كيلومترًا، شبه الجزيرة العربية عن القرن الأفريقي، ويربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ليشكل بذلك الحلقة الجنوبية التي لا غنى عنها لأي سفينة قادمة من آسيا أو متجهة إليها عبر قناة السويس. وتضع جزيرة ميون، بموقعها في منتصف المضيق تمامًا، أي طرف يسيطر عليها في موقع يسمح له نظريًا بمراقبة حركة الملاحة عبر الممرين الملاحيين شرق وغرب الجزيرة.

ووفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA)، فقد بلغ حجم ما يعبر باب المندب من النفط الخام والمكثفات والمشتقات النفطية نحو 6.2 مليون برميل يوميًا في عام 2018 وحده، وهو رقم لم يتوقف عن الارتفاع منذ ذلك الحين مع تزايد الاعتماد العالمي على طرق الشحن عبر البحر الأحمر.

جزيرة ميون (بريم) في منتصف مضيق باب المندب
جزيرة ميون (بريم) في منتصف قناة باب المندب، وهي الجزيرة التي استولت عليها جماعة الحوثي (المصدر: Richard Weil، ويكيميديا كومنز، CC0).

خلفية: من هجمات متفرقة إلى سيطرة كاملة

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تستهدف فيها جماعة الحوثي الملاحة في البحر الأحمر؛ فمنذ أواخر عام 2023 نفّذت الجماعة عشرات الهجمات بالصواريخ والمسيّرات والزوارق المفخخة ضد سفن تجارية وعسكرية زعمت ارتباطها بإسرائيل أو حلفائها، ما دفع شركات ملاحة كبرى إلى تعليق عبورها بالكامل، وامتد الأمر مطلع سبتمبر 2026 إلى هجوم مباشر بالصواريخ والمسيّرات على جنوب السعودية استهدف قاعدة خميس مشيط ومنشآت أرامكو. غير أن ما جرى في 10-11 سبتمبر 2026 يمثل نقلة نوعية: فلأول مرة تنتقل الجماعة من “التهديد عن بُعد” بالصواريخ والمسيّرات إلى “السيطرة الجغرافية المباشرة” على الشريط الساحلي والجزيرة التي تتحكم في المضيق، ضمن سياق أوسع للحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى منذ فبراير/شباط 2026، والتي طالت بالفعل عدة قواعد أميركية في المنطقة.

ماذا يعني هذا التطور للعالم العربي؟

بالنسبة للسعودية ودول الخليج، فإن فقدان الضمانة الوحيدة لحرية الملاحة عبر باب المندب يأتي في أسوأ توقيت ممكن، إذ يتزامن مع تعطل خط أنابيب “الشرق-الغرب” الذي كان يُفترض أن يكون شريان الطوارئ لتصدير النفط السعودي متجاوزًا مضيق هرمز بالكامل؛ فإذا اجتمع إغلاق فعلي أو شبه فعلي للممرين -هرمز وباب المندب- في وقت واحد، فستجد الرياض نفسها أمام خيارات تصدير محدودة للغاية.

أما مصر، فتُعد من أكثر الدول العربية تأثرًا بشكل غير مباشر: فأي تراجع في أعداد السفن العابرة للبحر الأحمر باتجاه باب المندب ينعكس مباشرة على حركة العبور في قناة السويس، التي شهدت أصلاً تراجعًا حادًا في الإيرادات خلال أزمة الحوثيين 2023-2024. كما تتأثر جيبوتي وإريتريا والصومال كدول مطلة مباشرة على المضيق من الساحل الأفريقي، فيما تجد الإمارات وسلطنة عمان، بحكم موقعهما على طرق بديلة جزئيًا عبر بحر العرب، فرصة لإعادة تموضع لوجستي محدودة لكنها غير كافية لتعويض حجم التجارة المتأثرة.

عمليًا، ستُضطر شركات الشحن العالمية إلى إعادة توجيه جزء كبير من أسطولها نحو رأس الرجاء الصالح، ما يضيف أسابيع للرحلة الواحدة ويرفع تكاليف التأمين والوقود بشكل ملحوظ – وهي تكلفة سينعكس جزء منها حتمًا على أسعار الاستيراد في الأسواق العربية نفسها.

أرقام باب المندب في سياق الأزمة

رسم بياني لتدفقات النفط والغاز المسال عبر باب المندب 2014-2018
تدفقات النفط والغاز المسال الإجمالية عبر باب المندب بين 2014 و2018 (المصدر: إدارة معلومات الطاقة الأميركية EIA، ملكية عامة).
المؤشر القيمة
أضيق نقطة في المضيق نحو 29 كم
حجم النفط والمشتقات العابرة (بيانات EIA لعام 2018) نحو 6.2 مليون برميل/يوم
حصة البحر الأحمر من حركة الحاويات العالمية نحو الثلث بحسب تقديرات متداولة
أعداد النازحين جراء تصعيد المعارك الأخير لا يقل عن 46 ألف شخص (المنظمة الدولية للهجرة)
البديل الملاحي الرئيسي الالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح (أسابيع إضافية للرحلة)

المصدر: إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA)، المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، تقارير NBC News ويورونيوز.

أسئلة شائعة

هل يعني هذا إغلاقًا كاملاً لباب المندب أمام الملاحة؟
لا يوجد حتى الآن إعلان رسمي من جماعة الحوثي بإغلاق المضيق كليًا، لكن سيطرتها الجغرافية على ضفتيه الشرقية (اليمن) وعلى الجزيرة الفاصلة بين ممريه تمنحها قدرة عملية على التحكم في حركة العبور متى شاءت، وهو ما يكفي لدفع شركات التأمين والشحن للتعامل مع المنطقة بوصفها منطقة خطر مرتفع.

لماذا لم تتدخل الرياض عسكريًا لاستعادة الجزيرة؟
لم يصدر تفسير رسمي سعودي حول ذلك حتى لحظة نشر هذا التقرير، وسط انشغال الرياض في الوقت نفسه بمتابعة هجوم منفصل استهدف خط أنابيبها الحيوي انطلاقًا من الأراضي العراقية.

ما علاقة هذا التطور بالحرب الأميركية-الإسرائيلية-الإيرانية الدائرة؟
يندرج التقدم الحوثي ضمن سياق أوسع لتصعيد إقليمي مستمر منذ فبراير/شباط 2026 بين الرياض وطهران، حيث تُنظر طهران إلى تعزيز نفوذ حلفائها في البحر الأحمر بوصفه أداة ضغط إضافية على الغرب ودول الخليج المتحالفة معه في هذه المواجهة.

هل تتأثر حركة الملاحة إلى موانئ عربية أخرى غير مصر والسعودية؟
نعم؛ أي دولة عربية تعتمد على استيراد أو تصدير بضائع عبر البحر الأحمر وقناة السويس -من الأردن إلى دول شمال أفريقيا- ستشعر بأثر غير مباشر عبر ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، حتى لو لم تكن مطلة مباشرة على المضيق.

المصادر

  • NBC News – تفاصيل الهجوم الحوثي وتسلسل الاستيلاء على المخا وذُباب وجزيرة ميون، وموقف واشنطن.
  • يورونيوز – تأكيد السيطرة الكاملة على المضيق وتأثيرها المحتمل على حركة الحاويات العالمية.
  • إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA) – بيانات حجم تدفق النفط والمشتقات عبر باب المندب.

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات مشابهة