ما هو الرادار AESA؟ وما الذي يميزه عن الرادارات التقليدية؟
رادار AESA هو رادار يوجّه حزمته بالإلكترونيات لا بالمحرّك. اختصار AESA يعني «مصفوفة المسح الإلكتروني النشط» (Active Electronically Scanned Array)، وهي تقنية تستبدل الهوائي الدوّار الواحد بمئات أو آلاف الوحدات الصغيرة التي تُرسل وتستقبل كلٌّ منها إشارتها الخاصة. النتيجة رادار يستطيع أن ينقل نظره من جهة إلى أخرى في أجزاء من الثانية، وأن يتابع أهدافاً كثيرة، وأن يؤدي مهام مختلفة في الوقت نفسه، من دون أن يتحرك جزء واحد فيه.
الفرق عن الرادار التقليدي ليس في «الرؤية الأبعد» بالضرورة كما يُشاع، بل في السرعة والمرونة والمقاومة للتشويش والموثوقية. فالرادار الميكانيكي يرى في اتجاه واحد في كل لحظة وينتظر دورة الهوائي الكاملة ليعود إلى الهدف نفسه، أمّا AESA فيقفز بين الأهداف بلا انتظار.

ما هو رادار AESA؟
الرادار في أصله جهاز يُرسل موجة كهرومغناطيسية ويستقبل صداها المرتد عن الهدف، ويحسب من زمن العودة واتجاهها مسافة الهدف وموقعه وسرعته. في رادار المسح الإلكتروني النشط، الهوائي ليس صحناً دوّاراً بل لوحة مسطّحة تحمل شبكة من العناصر الصغيرة تُسمّى وحدات الإرسال/الاستقبال (T/R modules). كل وحدة منها رادار مصغّر بذاته: فيها مضخّم إرسال، ومضخّم استقبال، ومُزيح طور يتحكم في توقيت الإشارة. وعندما تعمل هذه الوحدات معاً بتوقيت دقيق، تتكوّن منها حزمة رادارية واحدة يمكن توجيهها إلى أي اتجاه داخل مجال رؤية اللوحة، وفي لحظة.
كلمة «نشط» في الاسم هي جوهر التمييز. ففي المصفوفة السلبية (PESA)، مصدر الإشارة واحد مركزي وتقتصر العناصر على تغيير طور الإشارة القادمة منه. أما في المصفوفة النشطة فكل عنصر يولّد إشارته ويضخّمها بنفسه، وهذا ما يفتح الباب أمام تعدد الترددات وتعدد الحزم والمهام.
كيف يعمل رادار AESA؟
الفكرة الفيزيائية وراء التوجيه الإلكتروني تُعرف بمبدأ تداخل الموجات. عندما تُرسل مئات العناصر إشارة بالتردد نفسه، تتقوّى الموجات في الاتجاه الذي تصل فيه متزامنة، وتُلغي بعضها في الاتجاهات الأخرى. وبتغيير التأخير الزمني (الطور) لكل عنصر بمقدار محسوب، ينتقل اتجاه التقوية، أي اتجاه الحزمة، من دون أن يتحرك الهوائي مليمتراً واحداً. هذا التغيير يحدث في أجزاء من الميكروثانية.
هذه السرعة تسمح للرادار بأن يوزّع وقته بين مهام مختلفة: بحث في قطاع واسع، ثم قفزة لتحديث موقع هدف يتتبّعه، ثم تصوير أرضي عالي الدقة (SAR)، وكلّ ذلك يبدو للطيار متزامناً. ويمكن تقسيم المصفوفة نفسها إلى أجزاء يرسل كلٌّ منها حزمة مستقلة، وهذا ما يُقصد بتعدد الحزم الحقيقي.
ولأن كل وحدة إرسال/استقبال تولّد ترددها بنفسها، يستطيع الرادار أن يغيّر تردده من نبضة إلى أخرى بأنماط عشوائية، فيصعب على أجهزة الاستقبال المعادية التقاط إشارته وعلى أجهزة التشويش تركيز طاقتها على تردد بعينه. هذه الخاصية تُعرف بـ«احتمالية الاعتراض المنخفضة» (LPI)، وهي نقطة تلاقٍ مباشرة مع عالم الحرب الإلكترونية.
أما مادة أشباه الموصلات في هذه الوحدات، فالجيل الأول اعتمد على زرنيخيد الغاليوم (GaAs)، والجيل الأحدث ينتقل إلى نيتريد الغاليوم (GaN) الذي يتحمّل قدرة وحرارة أعلى بالحجم نفسه، وعليه تعتمد معظم الرادارات التي تُطوَّر اليوم.
ما مكوناته الرئيسية؟
- مصفوفة الهوائي: اللوحة المسطّحة التي تحمل مئات إلى آلاف وحدات الإرسال/الاستقبال، وقد تكون ثابتة أو مركّبة على قاعدة قابلة للإمالة لتوسيع مجال الرؤية (كما في Captor-E).
- وحدات الإرسال/الاستقبال (T/R modules): قلب النظام، وفي كل منها مضخّم قدرة ومضخّم استقبال منخفض الضجيج ومُزيح طور ومُخفّض.
- شبكة التوزيع والتحكم في الحزمة: الدوائر التي تحسب الطور المطلوب لكل عنصر وتوزّع الإشارات المرجعية.
- معالج الإشارة والبيانات: حاسوب يحوّل الصدى الخام إلى مسارات أهداف وصور وخرائط، ويدير جدولة المهام بين البحث والتتبّع والتصوير.
- منظومتا التبريد والقدرة: آلاف الوحدات تُنتج حرارة كبيرة وتستهلك كهرباء أكثر من سابقاتها، ما يفرض على المنصة الحاملة تبريداً سائلاً ومولّدات أقوى.
ما الفرق بين AESA وPESA والرادار الميكانيكي؟
الخلط بين الأنواع الثلاثة شائع، خصوصاً أن المصفوفة السلبية تبدو من الخارج مثل النشطة تماماً. الجدول التالي يوضح الفروق الجوهرية.
| المعيار | الرادار الميكانيكي | PESA (مصفوفة سلبية) | AESA (مصفوفة نشطة) |
|---|---|---|---|
| توجيه الحزمة | بتحريك الهوائي ميكانيكياً | إلكترونياً عبر مُزيحات الطور | إلكترونياً، وبإمكان تقسيم المصفوفة إلى حزم متعددة |
| مصدر الإشارة | مولّد مركزي واحد | مولّد مركزي واحد يُوزَّع على العناصر | كل وحدة إرسال/استقبال تولّد إشارتها وتضخّمها |
| المهام المتزامنة | مهمة واحدة في كل لحظة تقريباً | تبديل سريع بين المهام بحزمة واحدة | مهام متعددة فعلياً (بحث + تتبّع + تصوير + اتصال) |
| المقاومة للتشويش | منخفضة | متوسطة | مرتفعة بفضل القفز الترددي وأنماط الإرسال المتغيّرة |
| الموثوقية | أجزاء متحركة تتعطل؛ عطل المولّد يوقف الرادار | لا أجزاء متحركة، لكن عطل المولّد المركزي يوقفه | عطل تدريجي: تعطّل بعض الوحدات يقلّل الأداء ولا يوقفه |
| الكلفة والتعقيد | الأقل | متوسطة | الأعلى في الشراء، لكن كلفة الصيانة أدنى على مدى العمر |
| أمثلة | AN/APG-68 على F-16 المبكرة | Irbis-E على Su-35، وZaslon على MiG-31 | AN/APG-81 على F-35، وRBE2-AA على Rafale، وMURAD التركي |

ليس كل رادار AESA بالمدى نفسه
أكثر سؤال يُطرح عن هذا الرادار هو «كم مداه؟»، وأكثر إجابة خاطئة تُتداول هي رقم واحد بالكيلومترات. الحقيقة أن تقنية AESA لا تحدّد المدى بذاتها؛ فهي طريقة في توجيه الحزمة وتوليد الإشارة، لا وعد بمسافة. المدى الفعلي يحكمه خمسة عوامل على الأقل:
- حجم المصفوفة وعدد الوحدات: رادار مقاتلة خفيفة لا يمكن أن يضاهي رادار طائرة إنذار مبكر تحمل هوائياً بطول أمتار.
- القدرة المُرسلة: وترتبط بمادة الوحدات (GaAs أو GaN) وبقدرة المنصة على التغذية والتبريد.
- المقطع الراداري للهدف (RCS): المدى الذي يُكتشف عنده قاذف كبير يختلف كثيراً عن مدى اكتشاف مقاتلة صغيرة أو طائرة شبحية منخفضة البصمة.
- حزمة التردد: رادارات المقاتلات تعمل غالباً في حزمة X للدقة، بينما رادارات الإنذار المبكر تميل إلى حزم أطول موجة تمنح مدى أبعد بدقة أقل.
- نمط التشغيل: البحث الواسع، أو التتبّع المركّز، أو التصوير الأرضي، لكلٍّ منها ميزانية طاقة وزمن مختلفة، وبالتالي مدى مختلف.
لذلك، حين تقرأ رقماً محدداً لمدى رادار AESA، اسأل عن الهدف الذي قيس عليه والنمط المستخدم؛ فما يُتداول علناً هو غالباً تقديرات.
أين يُستخدم رادار AESA؟
- المقاتلات: الاستخدام الأشهر؛ كل مقاتلات الجيل الخامس وغالبية طائرات الجيل الرابع المحدّثة تحمله اليوم.
- طائرات الإنذار المبكر: مثل E-7 Wedgetail التي تحمل مصفوفة ثابتة بدل القبة الدوارة التقليدية، وE-2D Hawkeye.
- الدفاع الجوي الأرضي: رادارات الجيل الجديد لمنظومات Patriot (LTAMDS) وSAMP/T NG تعتمد مصفوفات نشطة بنيتريد الغاليوم.
- السفن الحربية: رادارات مثل AN/SPY-6 الأمريكي ورادارات الفرقاطات الأوروبية والتركية الحديثة، بوجوه ثابتة حول البرج.
- الطائرات المسيّرة: صار الرادار النشط صغيراً بما يكفي ليُحمل على مسيّرات الارتفاع المتوسط والعالي للمراقبة البحرية والتصوير الأرضي.
ما الذي لا يعنيه رادار AESA؟
- AESA لا يعني الشبحية. الرادار يكشف الأهداف، ولا يخفي الطائرة. صحيح أن أنماط الإرسال منخفضة الاعتراض تقلل فرصة رصد إشارة الرادار نفسه، لكن هذا لا علاقة له بالمقطع الراداري للطائرة الحاملة. مقاتلة من الجيل الرابع برادار AESA تبقى مقاتلة من الجيل الرابع.
- AESA ليس الرادار السلبي. الرادار السلبي لا يُرسل شيئاً ويكتفي بالتقاط انبعاثات الآخرين. أما AESA فرادار نشط بالمعنى الحرفي: يُرسل ويستقبل، وكلمة «نشط» فيه تصف طريقة توليد الإشارة لا غيابها.
- AESA ليس منظومة دفاع جوي. هو مستشعر، أي عين المنظومة لا المنظومة كلها؛ لا يعترض بل يزوّد الصواريخ ومراكز القيادة بالمعلومات.
ما مزاياه وما حدوده؟
المزايا أربع: سرعة إعادة توجيه الحزمة وما ينتج عنها من تتبّع أهداف كثيرة ومهام متزامنة؛ ومقاومة التشويش بفضل تنويع الترددات؛ والموثوقية التي يمنحها العطل التدريجي؛ وقدرات إضافية مثل التصوير الراداري عالي الدقة وحتى استخدام المصفوفة كوسيلة اتصال بيانات.
الحدود ثلاثة: الكلفة، إذ يجعل تصنيع آلاف الوحدات الرادار من أغلى مكونات الطائرة؛ والتبريد والقدرة، ولذلك تتضمن برامج التحديث غالباً تبديل المولّدات ومنظومات التبريد لا الرادار وحده؛ ومجال الرؤية، فالمصفوفة المسطّحة الثابتة ترى قطاعاً محدوداً أمامها، ولهذا لجأت بعض التصاميم إلى قاعدة قابلة للإمالة أو مصفوفات جانبية.
أمثلة حقيقية
- AN/APG-81 من Northrop Grumman على مقاتلة F-35: رادار الجيل الخامس المرجعي.
- AN/APG-79 من Raytheon على F/A-18E/F Super Hornet وEA-18G Growler، ونسخته الأحدث تعتمد GaN.
- Captor-E / ECRS على Eurofighter Typhoon: مصفوفة نشطة على قاعدة قابلة للإمالة، بإصدارات Mk0 وMk1 وMk2.
- RBE2-AA من Thales على Rafale: أول رادار AESA يدخل الخدمة على مقاتلة أوروبية.
- AN/APG-83 SABR من Northrop Grumman: الرادار الذي يقود تحديث طائرات F-16 إلى معيار F-16V، وهو الخيار الذي اختارته البحرين والمغرب ضمن حزم التحديث، إلى جانب منظومة Viper Shield للحرب الإلكترونية.
- N036 Byelka على Su-57 الروسية: أول رادار مصفوفة نشطة روسي على مقاتلة، وقد عُرضت نسخة التصدير من الطائرة في معرض العلمين 2026.
أمثلة من الصناعات الدفاعية التركية والعربية
في تركيا، طوّرت شركة ASELSAN رادار MURAD (مراد)، وهو رادار مصفوفة نشطة بتقنية نيتريد الغاليوم صُمّم أساساً لمقاتلة KAAN، واختُبر في مراحله الأولى على منصات أخرى منها الطائرة المسيّرة AKINCI، كما يدخل ضمن برنامج تحديث طائرات F-16 التركية بمكونات محلية. وللاطلاع على الملف التقني لمنظومة MURAD، يمكن الرجوع إلى الملف الذي نشرته Envanter Medya. وMURAD جزء من عائلة مصفوفات نشطة لدى ASELSAN تشمل رادارات الإنذار المبكر الأرضية والفرقاطات والدفاع الجوي، وكلها تشترك في وحدات إرسال/استقبال محلية الصنع.
وفي العالم العربي، دخل رادار AESA الخدمة مبكراً. فمقاتلات F-16E/F Block 60 الإماراتية حملت رادار AN/APG-80 قبل أن تحصل عليه معظم أساطيل F-16 في العالم. ومقاتلات F-15SA السعودية تعمل برادار AN/APG-63(V)3 من Raytheon، بينما تحمل F-15QA القطرية الجيل الأحدث AN/APG-82(V)1. وفي قطر أيضاً، تجتمع ثلاثة رادارات نشطة من ثلاث مدارس مختلفة في سلاح جو واحد: RBE2-AA على Rafale، وCaptor-E على Typhoon، وAPG-82 على F-15QA، وهو ما يشرحه مقالنا عن اختيار قطر لثلاث مقاتلات مختلفة. ومقاتلات Typhoon الكويتية كانت أول طائرات Eurofighter تُسلَّم برادار Captor-E من المصنع.
لماذا هذا المفهوم مهم؟
لأن المقاتلة التي ترى أولاً وتطلق أولاً هي التي تربح، والرادار النشط هو ما يمنح هذه الأسبقية: يكتشف أبعد بالحجم نفسه، ويتتبّع أكثر، ويصمد أمام التشويش. ولهذا تحولت برامج التحديث في المنطقة، من F-16V في البحرين والمغرب إلى Typhoon في الكويت وقطر، إلى برامج رادار في المقام الأول.
الأهم من ذلك أن تقنية وحدات الإرسال/الاستقبال صارت مقياساً للاستقلال الصناعي؛ فمن يصنع هذه الوحدات محلياً يستطيع أن يبني رادار مقاتلة ورادار سفينة ورادار دفاع جوي من القاعدة نفسها، ومن لا يصنعها يبقى مرتبطاً بموافقات التصدير. وللاطلاع على شرح تقني مبسّط للتقنية نفسها، يمكن الرجوع إلى الملف الذي نشرته Envanter Medya.
الأسئلة الشائعة
المصادر
- ASELSAN — الموقع الرسمي، منظومات الرادار
- Northrop Grumman — رادارات AN/APG-81 وAN/APG-83 SABR
- RTX (Raytheon) — رادارات AN/APG-79 وAN/APG-63(V)3 وAN/APG-82
- Thales — رادار RBE2 AESA لمقاتلة Rafale
- Leonardo — رادار Captor-E / ECRS لمقاتلة Eurofighter Typhoon
- Congressional Research Service — تقارير برامج F-35 وتحديث F-16