ما هي الحرب الإلكترونية؟ وكيف تعمل في الحروب الحديثة؟

ما هي الحرب الإلكترونية؟ وكيف تعمل في الحروب الحديثة؟

ما هي الحرب الإلكترونية؟ هي استخدام الطيف الكهرومغناطيسي، أي موجات الراديو والرادار والأشعة تحت الحمراء، كساحة قتال بحد ذاتها. الهدف بسيط في جوهره: أن ترى وتسمع وتتواصل قواتك بحرية، بينما يفقد الخصم القدرة على ذلك. لا يُطلق فيها صاروخ ولا تُسقط قنبلة، لكنها قد تحدد من يرى أولاً ومن يُصاب أولاً.

الفكرة أقدم مما يظن كثيرون. في الحرب العالمية الثانية أسقطت الطائرات البريطانية شرائط معدنية رقيقة لتعمية الرادارات الألمانية، وكان ذلك شكلاً مبكراً من التشويش. اليوم تحولت الحرب الإلكترونية إلى منظومات معقدة تُحمل على الطائرات والسفن والمركبات، وتعمل في الثواني نفسها التي يعمل فيها الرادار وشبكة الاتصالات وأجهزة الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية.

باختصار
ما هي الحرب الإلكترونية؟ هي مجموعة العمليات العسكرية التي تستخدم الطاقة الكهرومغناطيسية للسيطرة على الطيف الكهرومغناطيسي، إما بمهاجمة رادارات الخصم واتصالاته وأجهزة ملاحته بالتشويش أو الخداع، أو بحماية منظوماتنا من هذا الهجوم، أو بالتقاط الإشارات وتحليلها وتحديد مصدرها لدعم القرار العسكري.
طائرة الحرب الإلكترونية EA-18G Growler على متن حاملة الطائرات USS Nimitz
طائرة EA-18G Growler الأمريكية المخصصة للحرب الإلكترونية على سطح حاملة الطائرات USS Nimitz. المصدر: البحرية الأمريكية عبر ويكيميديا كومنز (ملكية عامة)

ما هي الحرب الإلكترونية؟

يعرّفها حلف شمال الأطلسي (NATO) والعقيدة الأمريكية بأنها “العمل العسكري الذي يستخدم الطاقة الكهرومغناطيسية والطاقة الموجهة للسيطرة على الطيف الكهرومغناطيسي أو لمهاجمة الخصم”. الكلمة المفتاحية هنا هي الطيف الكهرومغناطيسي: النطاق الكامل من الترددات التي تعمل فيها أجهزة الراديو والرادار والملاحة الفضائية وروابط التحكم في المسيّرات ووسائل الاستهداف بالأشعة تحت الحمراء.

كل جهاز عسكري حديث تقريباً يبث أو يستقبل موجة كهرومغناطيسية. الرادار يبث نبضات وينتظر ارتدادها، وجهاز اللاسلكي يبث الصوت والبيانات، والمسيّرة تتلقى أوامرها عبر رابط راديوي وتعرف موقعها من إشارة الأقمار الاصطناعية. الحرب الإلكترونية تتعامل مع كل هذه الإشارات على أنها أهداف أو أصول يجب حمايتها.

ما مجالاتها الثلاثة؟

تقسم عقيدة NATO والولايات المتحدة الحرب الإلكترونية إلى ثلاثة أقسام متكاملة، ويجب فهمها معاً لأن أي منظومة جادة تجمع بينها:

  • الهجوم الإلكتروني (Electronic Attack – EA): استخدام الطاقة الكهرومغناطيسية لتعطيل قدرات الخصم أو تقليصها أو خداعها. يشمل التشويش على الرادارات والاتصالات، والخداع بإشارات مزيفة، وكذلك الصواريخ المضادة للإشعاع التي تتبع مصدر بث الرادار.
  • الحماية الإلكترونية (Electronic Protection – EP): الإجراءات التي تحمي أفراد القوة ومعداتها من آثار الحرب الإلكترونية، سواء كانت معادية أو صديقة. من أمثلتها القفز الترددي في أجهزة اللاسلكي، وتشفير الروابط، وقدرة الرادارات الحديثة على تغيير ترددها بسرعة.
  • دعم الحرب الإلكترونية (Electronic Support – ES): البحث عن مصادر الإشعاع الكهرومغناطيسي واعتراضها وتحديد هويتها وموقعها. هذا هو “الأذن” التي تسمع الخصم قبل أن يراه، وتزود قائد الميدان بمعلومات فورية عن الرادارات والشبكات العاملة أمامه.

العلاقة بين الثلاثة دائرية: دعم الحرب الإلكترونية يكشف الإشارة، فيوجه الهجوم الإلكتروني نحوها، بينما تضمن الحماية الإلكترونية أن الخصم لا يفعل بنا الشيء نفسه.

كيف تعمل الحرب الإلكترونية؟

على المستوى العام، تعتمد الحرب الإلكترونية على أربع تقنيات رئيسية، ونشرحها هنا من حيث المبدأ لا من حيث التنفيذ:

  1. التشويش الراداري: بث طاقة كهرومغناطيسية على تردد رادار الخصم بحيث يغرق ارتداد الهدف الحقيقي في “ضجيج” لا يستطيع مستقبل الرادار تمييزه. قد يكون التشويش عاماً يغطي نطاقاً واسعاً، أو موجهاً بدقة نحو رادار بعينه.
  2. التشويش على الاتصالات: المبدأ نفسه لكنه يستهدف شبكات اللاسلكي وروابط البيانات، ومنها روابط التحكم بالمسيّرات وإشارات الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية مثل GPS. عندما تفقد المسيّرة رابطها أو موقعها، تصبح إما عمياء أو تعود آلياً إلى نقطة انطلاقها.
  3. كشف الإشارات وتحديد مصدرها: مستقبلات حساسة تلتقط أي بث في الطيف، وتحلل خصائصه (التردد، شكل النبضة، معدل التكرار)، وتقارنه بمكتبة تهديدات معروفة، ثم تحدد اتجاه المصدر وموقعه بالتقاطع بين عدة مستشعرات.
  4. الخداع: بث إشارات مصممة تجعل رادار الخصم يرى أهدافاً غير موجودة، أو يرى الهدف الحقيقي في موقع خاطئ، أو يظن أن الصاروخ القادم نحوه يتجه إلى مكان آخر. المخادعات المقطورة خلف المقاتلات تعمل بهذا المبدأ.

تحديد الأولويات بين هذه التقنيات، واختيار الترددات، وتوقيت التشغيل، كلها قرارات عملياتية سرية تختلف من منظومة إلى أخرى، ولا يمكن تعميمها في مقال تعريفي.

منظومة الحرب الإلكترونية KORAL من أسيلسان
منظومة KORAL الأرضية للدعم والهجوم الإلكتروني من إنتاج ASELSAN التركية. المصدر: ASELSAN

ما الفرق بين SIGINT وELINT وCOMINT؟

تتداخل هذه المصطلحات مع دعم الحرب الإلكترونية، لكنها تنتمي إلى عالم الاستخبارات، وفهم الفرق يوضح حدود المفهوم:

الفرق بين فروع استخبارات الإشارات ودعم الحرب الإلكترونية
المصطلح المعنى ماذا يلتقط؟ الإطار الزمني
استخبارات الإشارات (SIGINT) المظلة الشاملة لكل استخبارات مستمدة من الإشارات الإلكترونية الاتصالات والإشعاعات الإلكترونية معاً استراتيجي، طويل المدى
الاستخبارات الإلكترونية (ELINT) فرع يركز على الإشارات غير الاتصالية الرادارات وأجهزة الملاحة والتوجيه بناء مكتبات التهديد
استخبارات الاتصالات (COMINT) فرع يركز على اعتراض الاتصالات الرسائل الصوتية والبيانات بين البشر تحليلي، قد يستغرق أياماً
دعم الحرب الإلكترونية (ES) وظيفة تكتيكية داخل الحرب الإلكترونية أي بث يهدد القوة في اللحظة فوري، لدعم قرار الميدان

الخلاصة أن الفرق الأساسي هو الزمن والغاية: الاستخبارات تبني المعرفة على المدى البعيد، بينما دعم الحرب الإلكترونية يجيب على سؤال “ما الذي يبث ضدي الآن، وأين هو؟”.

ما أنواع منصات الحرب الإلكترونية؟

تُصنف المنظومات عادة بحسب المنصة التي تحملها:

  • الطائرات المتخصصة: مثل طائرة EA-18G Growler الأمريكية، وهي نسخة من مقاتلة F/A-18F مخصصة كلياً للتشويش ومرافقة التشكيلات الهجومية.
  • المنظومات الأرضية: منظومات محمولة على شاحنات تغطي جبهة كاملة، مثل منظومة KORAL (كورال) التركية التي شرحناها بالتفصيل في ملف منظومة KORAL II للحرب الإلكترونية.
  • الحاضنات والمنظومات الداخلية على المقاتلات: منظومة Viper Shield (فايبر شيلد) لطائرات F-16 Block 70/72، والتي تناولنا صفقاتها الخليجية والمغاربية في تقريرنا عن Viper Shield للبحرين والمغرب.
  • المنظومات البحرية: مستقبلات إنذار وأجهزة تشويش ومطلقات مخادعات على السفن، مهمتها الأولى صرف الصواريخ المضادة للسفن عن مسارها.
  • المنظومات المحمولة على المسيّرات والعربات الصغيرة: اتجاه متنامٍ يجعل التشويش المحلي متاحاً لوحدات صغيرة، وهو ما يتقاطع مع منظومات مكافحة المسيّرات C-UAS.

ما الذي لا تعنيه الحرب الإلكترونية؟

  • ليست الحرب السيبرانية: الحرب السيبرانية تهاجم البرمجيات والشبكات الحاسوبية عبر الشيفرة، أما الحرب الإلكترونية فتهاجم الإشارة نفسها في الهواء. قد تتكاملان، لكنهما تخصصان مختلفان بأدوات مختلفة.
  • ليست الرادار: الرادار مستشعر يكشف الأهداف، والحرب الإلكترونية هي ما يحاول تعميته أو حمايته. رادارات المسح الإلكتروني النشط (AESA) الحديثة تملك قدرات حرب إلكترونية مدمجة، وهذا ما نشرحه في مقال ما هو رادار AESA؟، لكن الرادار يبقى مستشعراً أولاً.
  • ليست مكافحة المسيّرات بأكملها: التشويش على المسيّرات جزء من الحرب الإلكترونية، لكن منظومات C-UAS تضم أيضاً الرادارات والكاميرات والأسلحة الحركية والليزر.
  • ليست السلاح الموجه بالطاقة: الليزر والموجات الدقيقة عالية القدرة تدمر الهدف فيزيائياً، أما الحرب الإلكترونية فتؤثر في المعلومات لا في المعدن.

ما مزاياها وما حدودها؟

المزايا: الحرب الإلكترونية سلاح “قابل للعكس”؛ يمكن إيقاف التشويش فيعود كل شيء إلى حاله، وهو ما يجعلها أداة مناسبة للتصعيد المحسوب. كما أنها تعمل بسرعة الضوء، ولا تنفد ذخيرتها ما دامت الطاقة متوفرة، وتحمي أصولاً باهظة الثمن كالمقاتلات بتكلفة أقل بكثير من الاستبدال.

الحدود: التشويش يكشف موقع المشوش نفسه، لأن أي جهاز يبث يمكن رصده وتتبعه. كما أن الحرب الإلكترونية “لعبة قط وفأر” دائمة: كل تقنية تشويش تواجه بتقنية حماية، فتتطلب تحديثاً مستمراً لمكتبات التهديد والبرمجيات. وأخيراً، قد يصيب التشويش قوات صديقة أو بنية تحتية مدنية إذا لم يُدر بدقة.

أمثلة حقيقية

  • EA-18G Growler: العمود الفقري للتشويش الجوي في البحرية الأمريكية، تحمل حاضنات تشويش خارجية وتتلقى حالياً جيلاً جديداً من حاضنات التشويش الأكثر قدرة.
  • Viper Shield / AN/ALQ-254: منظومة حرب إلكترونية داخلية من شركة L3Harris لمقاتلات F-16 Block 70/72، تجمع بين الإنذار الراداري والتشويش والخداع في حزمة واحدة داخل بدن الطائرة، وتُجهز بها الطائرات الجديدة لعدة دول عربية.
  • KORAL: منظومة أرضية من ASELSAN تتكون من عنصر دعم إلكتروني لكشف الرادارات وتحديد مواقعها، وعنصر هجوم إلكتروني للتشويش عليها، وتغطي مسافات تصل إلى مئات الكيلومترات وفق الظروف. وللاطلاع على الملف التقني لمنظومة KORAL، يمكن الرجوع إلى الملف الذي نشرته Envanter Medya.
  • SIGN4L: الذراع المتخصصة في الحرب الإلكترونية واستخبارات الإشارات داخل مجموعة EDGE الإماراتية، وتطور حلولاً للكشف والتشويش وحماية المنشآت.

أمثلة من الصناعات الدفاعية التركية والعربية

في تركيا، تشكل شركة ASELSAN مركز الثقل في هذا المجال، بعائلة تشمل منظومة KORAL الأرضية، ومنظومات الحماية الذاتية للمقاتلات والمروحيات، ومنظومات التشويش على الاتصالات من عائلة MİLKAR، ومنظومات الحرب الإلكترونية البحرية على السفن التركية الجديدة. وقد قدمت Envanter Medya شرحاً تأسيسياً لهذا المفهوم يمكن قراءته في ملف “ما هي الحرب الإلكترونية” الذي نشرته Envanter Medya.

في العالم العربي، تعد SIGN4L التابعة لمجموعة EDGE الإماراتية أوضح مثال على تأسيس قدرة وطنية متخصصة، بينما تركز الشركة السعودية للصناعات العسكرية (SAMI) على نقل تقنيات الإلكترونيات الدفاعية ضمن مشاريعها المشتركة. وفي المعارض العربية الأخيرة، عُرضت منظومات روسية للتشويش على المسيّرات مثل منظومة Bizon التي تناولناها في تقريرنا من معرض العلمين، وهو ما يعكس الطلب المتزايد في المنطقة على هذه الفئة من الحلول.

لماذا هذا المفهوم مهم؟

الجيش الحديث شبكة قبل أن يكون دبابات وطائرات. المستشعر يرى الهدف، ورابط البيانات ينقل الصورة، وجهاز الملاحة يوجه الذخيرة، والقائد يصدر أمره عبر اللاسلكي. قطع أي حلقة من هذه السلسلة يعطل السلسلة كلها، وهذا بالضبط ما تسعى إليه الحرب الإلكترونية.

الحرب في أوكرانيا قدمت الدرس الأوضح: التشويش الكثيف على إشارات GPS وروابط المسيّرات جعل أعداداً كبيرة من الذخائر الموجهة والمسيّرات التجارية تفقد دقتها أو تسقط، ودفع الطرفين إلى تطوير روابط أكثر مقاومة وأنظمة ملاحة لا تعتمد على الأقمار الاصطناعية وحدها. النتيجة أن الدول التي تشتري مقاتلات ومسيّرات متقدمة دون قدرة حرب إلكترونية موازية تشتري نصف منظومة فقط. لذلك تنظر دول الخليج وشمال أفريقيا اليوم إلى منظومات مثل Viper Shield وKORAL على أنها جزء من صفقة السلاح لا ملحقاً اختيارياً لها.

الأسئلة الشائعة

ما الفرق بين الحرب الإلكترونية والحرب السيبرانية؟
الحرب الإلكترونية تستهدف الإشارات في الطيف الكهرومغناطيسي مثل الرادار واللاسلكي، أما الحرب السيبرانية فتستهدف البرمجيات والشبكات الحاسوبية عبر الشيفرة والثغرات. يمكن أن تتكاملا في عملية واحدة لكنهما تخصصان مستقلان.
هل التشويش يعطل كل الرادارات؟
لا. الرادارات الحديثة، خصوصاً رادارات المسح الإلكتروني النشط (AESA)، تغير ترددها وشكل نبضاتها بسرعة وتملك إجراءات حماية إلكترونية مدمجة، لذلك يتطلب التشويش عليها قدرة أعلى وتحليلاً أدق ولا يضمن النجاح دائماً.
هل الحرب الإلكترونية تُسقط المسيّرات؟
التشويش يقطع رابط التحكم أو إشارة الملاحة فتفقد المسيّرة توجيهها، وقد تهبط أو تعود إلى نقطة انطلاقها. لكن المسيّرات ذات الملاحة الذاتية أو الروابط المقاومة قد تكمل مهمتها، ولهذا تُدمج الحرب الإلكترونية مع وسائل حركية في منظومات C-UAS.
ما هي طائرة الحرب الإلكترونية؟
طائرة مخصصة لحمل أجهزة تشويش واستشعار قوية ومرافقة التشكيلات الهجومية لتعمية دفاعات الخصم. أشهر مثال هو EA-18G Growler الأمريكية، وتوجد نسخ مماثلة لدى دول أخرى قائمة على طائرات مقاتلة أو نقل.
ما معنى الحماية الإلكترونية؟
هي الإجراءات التي تجعل منظوماتنا تعمل رغم تشويش الخصم، مثل القفز الترددي في اللاسلكي، وتشفير روابط البيانات، ومقاومة رادارات AESA للتشويش، والملاحة البديلة عند فقدان إشارة GPS.
هل تملك الدول العربية منظومات حرب إلكترونية؟
نعم. تُجهز مقاتلات F-16 الجديدة لدى البحرين والمغرب بمنظومة Viper Shield، وأسست مجموعة EDGE الإماراتية شركة SIGN4L المتخصصة، إضافة إلى منظومات مستوردة من الولايات المتحدة وأوروبا وتركيا لدى عدة جيوش عربية.

المصادر

3 تعليق

التعليقات مغلقة.

مقالات مشابهة