واشنطن تأمر بمغادرة موظفيها غير الأساسيين من السعودية بسبب تصعيد هجمات الحوثيين.. وتضارب حول شمول القرار لدول الخليج
أمرت وزارة الخارجية الأميركية الموظفين غير الأساسيين في سفارتها بالرياض وأفراد عائلاتهم بمغادرة السعودية، في خطوة ربطتها الوزارة مباشرة بتصاعد هجمات الحوثيين الصاروخية والمسيّرة على المملكة. وجاء الإعلان، الأربعاء 21 أكتوبر 2026، على لسان المتحدث باسم الخارجية الأميركية تومي بيغوت، وسط تقارير متضاربة حول ما إذا كان القرار سيشمل بعثات أميركية أخرى في دول خليجية مجاورة.

ما الذي أعلنته الخارجية الأميركية؟
قال بيغوت، في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إن الحوثيين المدعومين من إيران “تصاعد انخراطهم في أعمال عدائية ضد السعودية”، بما يشمل هجمات على مطارات مدنية وبنى تحتية حيوية، أدت إلى سقوط ضحايا من المدنيين واضطراب حاد في حركة الطيران. وأضاف: “سلامة موظفي الوزارة وعائلاتهم تظل أولويتنا القصوى”، في تبرير القرار بسحب الموظفين غير الأساسيين من السفارة الأميركية في الرياض وعائلاتهم.
في المقابل، نفى بيغوت ما وصفه بتقرير “غير دقيق” تحدّث عن توسيع الإجلاء ليشمل جميع البعثات الأميركية في دول الخليج. إلا أن أربعة مسؤولين أميركيين، لم تُكشف هويتهم، قالوا لوكالة رويترز إن بعثات أميركية أخرى في الخليج ستطلب أيضاً من عائلات موظفيها المغادرة، في تناقض مع نفي المتحدث الرسمي لم تحسمه الخارجية الأميركية حتى لحظة نشر هذا التقرير.
السياق: أسابيع من التصعيد الحوثي غير المعتاد
يأتي القرار بعد موجة هجمات حوثية متكررة استهدفت مطار الملك خالد الدولي في الرياض عدة مرات خلال أكتوبر 2026؛ أعنفها الهجوم الذي وقع في 10 أكتوبر وأسفر، بحسب الهيئة العامة للطيران المدني السعودية، عن سقوط ما بين 12 و13 قتيلاً وأكثر من 300 جريح، تلاه هجوم ثانٍ في اليوم التالي أدى لوفاة شخص إضافي وإصابة 11 آخرين. وفي ذاته تقريباً، أعلنت السلطات السعودية تعرّض مطار الملك فهد الدولي في الدمام لضربة أخرى، إذ أصاب مقذوف ممراً للطائرات واشتعلت النيران قرب طائرات متوقفة، بينما تبنّى المتحدث العسكري للحوثيين يحيى سريع الهجوم وربطه بضربات أخرى استهدفت منشآت تابعة لشركة أرامكو السعودية.

على خلفية هذه الهجمات، رفعت وزارة الخارجية الأميركية مستوى تحذير السفر للسعودية إلى الدرجة الثالثة “إعادة النظر في السفر” مع تصنيف مناطق معينة عند الدرجة الرابعة “تجنّب السفر”، وذلك في 12 أكتوبر، مستشهدة بالنزاع الإقليمي والتهديدات الصاروخية والمسيّرة وتعطّل حركة الطيران التجاري.
وهذا ليس أول إجلاء دبلوماسي أميركي من السعودية منذ تجدد الحرب الإقليمية؛ فقد سبق لواشنطن أن أصدرت قراراً مماثلاً بسحب الموظفين غير الأساسيين من الرياض وجدة والظهران في مطلع مارس 2026، إثر ضربات إيرانية استهدفت مبنى السفارة ومحيطها عقب اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران في 28 فبراير من ذلك العام. لكن القرار الجديد يختلف جوهرياً من حيث المصدر المباشر للتهديد: فهو هذه المرة مرتبط بالحوثيين تحديداً وتصعيدهم ضد العمق السعودي، لا بإيران مباشرة، ما يعكس تحوّل مركز الخطر في نظر واشنطن من طهران إلى صنعاء.
الموقف السعودي والإقليمي يتحرك بالتوازي
لم تصدر الحكومة السعودية حتى الآن تعليقاً رسمياً على قرار واشنطن بسحب موظفيها، لكن المملكة كانت تتحرك بالتوازي على مسارات عدة لتعزيز شبكة دعمها الدولي في مواجهة التهديد الحوثي. فمصر، الحليف العربي الأكبر، أعلن مجلس الدفاع الوطني فيها تقديم “كل أشكال الدعم اللازمة والمتاحة” للسعودية، قبل أن يؤجل مجلس النواب المصري التصويت على تفويض الدفاع عنها إلى 26 أكتوبر، بعد أن طلب حزب المصريين الديمقراطي الاجتماعي من نوابه الامتناع عن التصويت لعدم وضوح طبيعة المهمة ومدتها وتكلفتها.

وفي موازاة ذلك، نشرت بريطانيا مقاتلات تايفون في مهام دفاعية لحماية الأجواء السعودية، وزار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الرياض لمناقشة توسيع التعاون الأمني الفرنسي-السعودي. كما وقّعت تركيا وقطر وباكستان وإندونيسيا في الدوحة مذكرة تفاهم رباعية “بدر” للتعاون الصناعي الدفاعي، في سياق يربطه مراقبون بتداعيات التصعيد الحوثي على حلفاء المملكة.
ويبقى تحالف مكة الدفاعي بين السعودية وباكستان وتركيا، الموقَّع في 7 أغسطس 2026 والقائم على مبدأ أن أي عدوان على عضو يُعدّ عدواناً على الجميع، أحد أبرز الأطر التي قد تتوسع لاحقاً. وقد لمّح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى أن مصر “شريك طبيعي” يمكن أن تنضم إلى الاتفاقية بعد تسوية بعض “القضايا التقنية”، بينما لا تزال القاهرة، بحسب محللين، تتعامل بحذر مع أي التزامات دفاعية جديدة تتجاوز الدعم المباشر المعلن.
لماذا يحمل القرار دلالة تتجاوز الجانب الإداري؟
سحب الموظفين غير الأساسيين من سفارة دولة حليفة كبرى كالسعودية ليس إجراءً إدارياً روتينياً، بل مؤشر تُقرأ به العواصم الإقليمية مستوى تقييم واشنطن للخطر الأمني في الخليج. فعندما تتخذ الولايات المتحدة، الضامن الأمني التاريخي للسعودية ومصدر منظومات الدفاع الجوي الأساسية فيها مثل “باتريوت”، قراراً بتقليص حضورها الدبلوماسي، فإن ذلك يرسل رسالة مزدوجة: اعترافاً ضمنياً بأن التهديد الحوثي بلغ مستوى غير مسبوق من حيث الدقة والمدى، وفي الوقت ذاته تذكيراً للرياض وحلفائها الخليجيين بأن الدعم الأميركي، رغم استمراره استخباراتياً وتسليحياً، له حدود عملية حين يتعلق الأمر بالتعرّض المباشر للمواطنين الأميركيين.
بالنسبة لدول الخليج الأخرى، فإن التقارير غير المؤكدة عن توسّع الإجلاء تضع الكويت والبحرين وقطر والإمارات أمام سؤال مشابه لما شهدته في مارس 2026 إبّان الحرب مع إيران: هل ستكرر واشنطن سياسة التحوّط نفسها إذا اتسعت دائرة الاستهداف الحوثي لتشمل منشآت خارج الأراضي السعودية؟ وهو سؤال يفسّر التسارع الملحوظ في عقد اتفاقيات دفاعية متعددة الأطراف، من مذكرة “بدر” إلى تحالف مكة، كمحاولة من دول المنطقة لبناء شبكة أمان جماعية لا تعتمد على حضور دبلوماسي أو عسكري أميركي ثابت. وتبقى منظومات الدفاع الجوي السعودية نفسها محور تقييم مستمر بعد الثغرات التي كشفتها هجمات مطار الرياض المتكررة.
أسئلة شائعة
هل أغلقت السفارة الأميركية في الرياض؟
لا. القرار يشمل الموظفين غير الأساسيين وعائلاتهم فقط، بينما تستمر البعثة في عملها بالحد الأدنى من الطاقم الأساسي، على غرار ما حدث في مارس 2026.
هل تنطبق الخطوة على بعثات أميركية أخرى في الخليج؟
الخارجية الأميركية نفت رسمياً أي قرار شامل لكل بعثات الخليج، في حين تحدثت رويترز عن توجه لدى بعثات أخرى لسحب عائلات الموظفين. لم يصدر حتى الآن تأكيد رسمي موحّد يحسم هذا التناقض.
ما الفارق بين هذا القرار وإجلاء مارس 2026؟
إجلاء مارس جاء إثر ضربات إيرانية مباشرة على السفارة في سياق الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران. القرار الحالي مرتبط تحديداً بتصعيد الحوثيين وهجماتهم على مطارات ومنشآت سعودية داخل الأراضي السعودية.
هل علّقت السعودية على القرار؟
لم تصدر الحكومة السعودية أو السفارة السعودية في واشنطن أي تعليق رسمي على القرار حتى وقت نشر هذا التقرير.
المصادر
- Al Jazeera English – نص تصريح المتحدث تومي بيغوت وتفاصيل القرار ونفيه توسيع الإجلاء لعموم الخليج، مع إفادة مصادر رويترز الأربعة بخلاف ذلك.
- Khaleej Times – حصيلة ضحايا هجوم 10 أكتوبر على مطار الملك خالد الدولي.
- Khaleej Times – تفاصيل استهداف منشأة أرامكو في الظهران وإصابات الرياض.
- Al Jazeera English – تأجيل البرلمان المصري التصويت على تفويض الدفاع عن السعودية.
- Al Jazeera English – تصريحات أردوغان وفيدان حول احتمال انضمام مصر إلى تحالف مكة.