لماذا اختارت بنغلاديش مروحيات T129 ATAK التركية؟ الصفقة التي تجاوزت عقدة المحرك الأمريكي التي عطّلت باكستان
آخر تحديث: 4 نوفمبر 2026
لم تكن موافقة بنغلاديش على شراء ست مروحيات هجومية تركية من طراز T129 ATAK قراراً معزولاً عن سياقه. فهي تأتي بعد أكثر من عقد بلا مروحية هجومية مخصصة منذ استقلال البلاد عام 1971، وبعد سنوات من اعتماد سلاح الجو على مروحيات Mi-171Sh الروسية المسلّحة بالارتجال لتعويض هذه الفجوة. كما تأتي عقب تحوّل سياسي داخلي بعد الإطاحة بحكومة الشيخة حسينة في أغسطس 2024، وموافقة أميركية غير مؤكدة رسمياً على تصدير محرك المروحية الأميركي الصنع -وهو المحرك نفسه الذي ظل محجوباً عن صفقة باكستان المماثلة لسنوات طويلة. الصفقة، التي لم تتحول بعد إلى عقد تجاري موقّع أو تسليم فعلي، تكشف كيف تتقاطع الحاجة العملياتية والتوازنات الإقليمية مع سياسة واشنطن في ترخيص الأنظمة الفرعية الحساسة.
لماذا اختارت بنغلاديش T129 ATAK؟ (موجز)
- فجوة عملياتية مزمنة: سلاح الجو البنغلاديشي لم يملك قط مروحية هجومية مخصصة؛ اعتمد لعقود على مروحيات Mi-171Sh النقل/المسلحة الروسية بالرشاشات والصواريخ غير الموجهة بدلاً من منصة قتالية متخصصة.
- سعر وشروط سياسية أخف: مصادر دفاعية إقليمية تصف T129 بأنها خيار “فعّال من حيث التكلفة ومجرَّب قتالياً” مقارنة بمسارين أميركي (AH-1Z Viper) وروسي (Mi-28) قيل إنهما قُيّما سابقاً دون تفاصيل علنية عن أسباب استبعادهما.
- تعميق التحالف الصناعي مع أنقرة: الصفقة تأتي ضمن تصعيد تدريجي للتعاون العسكري التركي-البنغلاديشي بدأ بمسيّرات Bayraktar TB2 عام 2022 وأنظمة روكتسان الصاروخية ومدرعات أوتوكار.
- تنويع المصادر بعد التحول السياسي: حكومة محمد يونس الانتقالية، التي خلفت حكومة الشيخة حسينة المقرَّبة من نيودلهي في أغسطس 2024، سعت إلى تنويع شركاء التسلّح بعيداً عن الاعتماد التقليدي على الهند وروسيا.
- تحذير جوهري: لا عقد تجاري نهائي موقَّع أو تسليم فعلي حتى تاريخ النشر؛ الصفقة في مرحلة الموافقة الحكومية-الحكومية وتفاصيلها (العدد، القيمة الدقيقة، تضمين منظومة هيسار-O+) متفاوتة بين المصادر.
أولاً: ما هي الحالة الفعلية للصفقة؟ (تحذير ضروري)
قبل الخوض في التفاصيل، لا بد من توضيح دقيق لحالة هذه الصفقة لتفادي الخلط الشائع بين “الموافقة” و“الشراء الفعلي”. حتى تاريخ نشر هذا التقرير:
- لا عقد تجاري (LOA) موقَّع علناً. ما جرى هو لقاء رسمي في 13 يناير 2026 بمقر القيادة العامة في دكا بين الفريق إس إم كمال حسن، كبير ضباط أركان شعبة القوات المسلحة البنغلاديشية (AFD)، ومدير اختبارات الطيران في شركة Turkish Aerospace Industries (TAI) آريف أتيش، أعقبه تقارير متعددة بأن بنغلاديش “وافقت” على صفقة حكومية-حكومية.
- تضارب في العدد. معظم التقارير من يناير 2026 فصاعداً تذكر ست مروحيات، بينما أشار تقرير سابق مستند إلى “مصادر استخباراتية” غير مسمّاة إلى سعي سلاح الجو لشراء ثماني مروحيات -لا تأكيد نهائي للرقم حتى تاريخ النشر.
- تضارب في القيمة والعملة. غالبية المصادر تذكر 600 مليون دولار أميركي، بينما ذكر تقرير واحد باللغة الألمانية “ما يقارب 600 مليون يورو” لنفس الصفقة -فرق جوهري يقترب من 70 مليون دولار لا يمكن حسمه بالمصادر المتاحة.
- تضارب حول تضمين منظومة الدفاع الجوي. بعض المصادر تدرج منظومة هيسار-O+ متوسطة المدى ضمن حزمة الـ600 مليون دولار نفسها، بينما مصادر أخرى (مثل الموقع المتخصص Aviation News الذي نقل تفاصيل لقاء 13 يناير مباشرة) تذكر المروحيات فقط دون أي إشارة لهيسار-O+ في ذلك اللقاء بعينه.
- لا تأكيد رسمي من أي وزارة دفاع أو من TUSAŞ/TAI نفسها. كل التقارير المتاحة تستند إلى مواقع دفاعية إقليمية متخصصة (Defence Security Asia، Aviation News Europe، Defense Mirror، Scramble.nl) أو تحليلات صحفية، دون بيان رسمي منشور من الحكومة البنغلاديشية أو الشركة المصنّعة التركية حتى تاريخ النشر.
الحالة الأقرب للدقة إذن هي C (اختيار/موافقة حكومية رسمية غير مكتملة تعاقدياً)، مع ترقّب لإتمام العقد التجاري النهائي “خلال السنة المالية البنغلاديشية 2025-2026” بحسب بعض المصادر، وتسليم مستهدف في عام 2027 مرتبط بجدول إنتاج TAI وبرامج تدريب الأطقم. هذا التقرير يتعامل مع الصفقة على هذا الأساس: قرار سياسي-عسكري واضح الاتجاه، لا عملية شراء منجزة.
حاجة بنغلاديش: لماذا لا تملك مروحية هجومية أصلاً؟
النقطة الأكثر لفتاً للانتباه في هذا الملف هي أن سلاح الجو البنغلاديشي لم يُشغّل قط -منذ تأسيس الدولة عام 1971- مروحية مصمَّمة خصيصاً للقتال الهجومي. الدور القتالي الجوي الدوّار ظل منوطاً بأسطول من مروحيات Mi-17/Mi-171 الروسية متعددة الأغراض، والتي زُوِّد بعضها بمنصات جانبية (sponson pylons) لحمل رشاشات ثقيلة وصواريخ غير موجَّهة من عيار 57 أو 80 ملم، في تحوير ميداني لا يرقى لمعايير مروحية هجومية حديثة من حيث التصفيح، التصويب، أو مضادة الدروع الموجَّهة.
بحسب بيانات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI)، تسلّمت بنغلاديش منذ عام 2010 ستة عشر مروحية Mi-171Sh مسلّحة وثلاث مروحيات Mi-171 عادية من روسيا على أربع دفعات، من بينها عقد أبريل 2015 لست مروحيات Mi-171Sh ومروحية نقل واحدة من طراز Mi-171E. ودخلت دفعة أحدث من طراز Mi-171A2 الخدمة تدريجياً حتى صيف 2025، وإن كان جزء منها مخصصاً لأغراض شرطية لا عسكرية بحتة. يشغّل سلاح الجو البنغلاديشي اليوم أكثر من خمسين مروحية من عائلة Mi-17/171 في مهام متعددة تشمل عمليات حفظ السلام الأممية والإغاثة الداخلية عند الكوارث، إلى جانب الدور القتالي الثانوي.
بعبارة أخرى: T129 ATAK ليست “ترقية” لأسطول هجومي قائم، بل إدخال فئة جديدة كلياً من القدرة العسكرية لم تمتلكها بنغلاديش من قبل -وهو ما يفسّر جزئياً الطابع الرمزي الكبير الذي حظيت به هذه الصفقة في الإعلام الدفاعي الإقليمي، رغم العدد المحدود للمروحيات (ست وحدات فقط في النسخة المتداولة الأحدث).
السياق السياسي: ماذا تغيّر في دكا؟
يصعب فهم توقيت هذه الصفقة بمعزل عن التحول السياسي الذي شهدته بنغلاديش. ففي 5 أغسطس 2024، أُطيح بحكومة رئيسة الوزراء الشيخة حسينة إثر احتجاجات طلابية واسعة، وتولّى الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل محمد يونس رئاسة حكومة انتقالية في 8 أغسطس من العام نفسه. وصفت مراكز أبحاث مثل Chatham House ما تلا ذلك بأنه “تحوّل جيوسياسي” في جنوب آسيا: فتورٌ ملحوظ في العلاقة التقليدية الوثيقة مع نيودلهي، وتقارب متسارع مع أنقرة وإسلام آباد وبكين.
شمل هذا التقارب مع تركيا، بحسب تقارير متعددة، أكثر من 3000 ضابط بنغلاديشي تلقوا تدريبات متخصصة في تركيا، إلى جانب مشتريات سابقة تضم مسيّرات Bayraktar TB2 (اتفاقية 2022)، ومنظومات صواريخ روكتسان TRG-230/300 المتعددة الإطلاق، ومدرعات أوتوكار كوبرا، ومدافع هاوتزر Boran. في المقابل، أكد مستشار الشؤون الخارجية البنغلاديشي محمد توحيد حسين أن بلاده لا “تنحاز” لمحور باكستاني-تركي ضد الهند، واصفاً التقارب مع إسلام آباد بأنه “تطبيع” طبيعي للعلاقات لا أكثر. وفي فبراير 2026، أفضت انتخابات عامة إلى فوز حزب بنغلاديش القومي (BNP)، ما يطرح تساؤلاً مفتوحاً حول مدى استمرارية هذا المسار الدفاعي تحت الحكومة الجديدة.
يبقى أن الصين ظلّت -ولا تزال- المورّد الأول للسلاح البنغلاديشي بفارق كبير؛ إذ تشير تقديرات غير رسمية مستندة إلى بيانات SIPRI إلى أن نحو 72% من معدات الجيش البنغلاديشي بين عامي 2019 و2023 كان مصدرها الصين. التحول نحو تركيا، بهذا المعنى، هو تنويع تدريجي للمصادر أكثر منه استبدالاً جذرياً لتحالف قائم.
المنصة: ما الذي تقدّمه T129 ATAK فعلياً؟
مروحية T129 ATAK هي تطوير تركي-إيطالي مشترك (Turkish Aerospace Industries وAgustaWestland سابقاً) مبني على هيكل مروحية Agusta A129 Mangusta الإيطالية، بمقصورة قيادة مزدوجة (طيار وضابط أسلحة بالتوالي) ومحرّكين توربينيّين من طراز LHTEC CTS800-4A -وهو تفصيل سيعود أهميته لاحقاً في سياق قيود التصدير الأميركية. تبلغ سرعتها القصوى نحو 281 كم/س ومداها التشغيلي بخزان وقود قياسي نحو 537 كيلومتراً بحسب بيانات الشركة المصنّعة، وتحمل مدفع رشاش عيار 20 ملم ونظام تسليح غير متماثل على ست محطات حمل يشمل حتى 76 صاروخاً غير موجَّه عيار 70 ملم، وحتى 8 صواريخ UMTAS المضادة للدروع (روكتسان، موجَّهة بالليزر أو بالأشعة تحت الحمراء)، و16 صاروخ CIRIT الموجَّه بالليزر، وحتى 8 صواريخ Stinger جو-جو للدفاع الذاتي.
للمزيد حول آلية عمل المروحية وتطورها الصناعي، نشر موقع Envanter Medya ملفاً تقنياً مفصّلاً بعنوان “T-129 ATAK Nedir؟” يستعرض تاريخ البرنامج ومكوّناته الفرعية.

الفارق الجوهري بين هذه المنصة وأسطول Mi-171Sh القديم ليس في السرعة أو الحمولة بالضرورة، بل في التخصص القتالي: منظومات تصويب واستهداف مخصصة (لا منصات رشاش مرتجلة)، تصفيح وتصميم مقاومان للعطب البالستي، ومجموعة ذخائر موجَّهة بدقة (UMTAS وCirit) لا تتوفر أصلاً على منصة نقل محوَّرة كالـMi-171Sh.
المرشحون الآخرون: لماذا لم تختر بنغلاديش AH-1Z أو Mi-28؟
تشير تقارير دفاعية إقليمية (بينها Defence Security Asia) إلى أن بنغلاديش “قيّمت سابقاً” كلاً من مروحية AH-1Z Viper الأميركية (طراز مختلف عن Apache AH-64E الأشهر إقليمياً في الخليج) ومروحية Mi-28 الروسية قبل أن يستقر الخيار على T129 ATAK، واصفة الأخيرة بأنها خيار “فعّال من حيث التكلفة ومجرَّب قتالياً وخالٍ من التعقيدات الجيوسياسية” التي تصاحب عادة المسار الأميركي أو الروسي. لكن هذا الوصف تحليلي لا توثيقي: لم يُعثر على مصدر يكشف تفاصيل أي مناقصة رسمية، أو معايير تقييم منشورة، أو تواريخ محددة لهذا التقييم المبكر المزعوم لـViper وMi-28. لا يوجد أيضاً ما يؤكد أن واشنطن أو موسكو قدّمتا عروضاً تجارية رسمية في أي مرحلة.
وللاطلاع على نقاش تقني أوسع حول مفاضلة T129 ATAK مع منصات أميركية مماثلة، سبق لـDefenceArabia تناول هذه المقارنة في ملف “T129 ATAK أم AH-64 Apache: أي مروحية هجومية تناسب الأردن أكثر؟”. الأقرب للدقة هو القول إن القرار البنغلاديشي حُسم في ظل مسار سياسي أوسع يفضّل تنويع الموردين بعيداً عن الاعتماد الحصري التاريخي على روسيا (للمروحيات) والصين (لبقية العتاد)، مع كون تركيا الخيار الذي قدّم أسرع مسار عملي للحصول على مروحية هجومية مخصصة -لا بالضرورة “الفائز” في مناقصة تنافسية موثّقة بالمعنى الدقيق للكلمة.

عقدة المحرك: كيف نجحت بنغلاديش حيث تعثّرت باكستان؟
هذا هو الجانب الأكثر أهمية تقنياً وسياسياً في هذا الملف. فمحرك LHTEC CTS800 الذي تعتمد عليه T129 ATAK هو نتاج مشروع مشترك بين شركة Honeywell الأميركية وRolls-Royce البريطانية، ما يجعله خاضعاً لقواعد ضبط التصدير الأميركية الصارمة (ITAR) رغم أن المروحية ذاتها تركية التصميم والتصنيع بالكامل تقريباً.
وقد شكّل هذا القيد تحديداً العقبة التي عطّلت أكبر صفقة تصدير لهذه المروحية حتى الآن: عقد باكستان الموقَّع عام 2018 لثلاثين مروحية T129 بقيمة 1.5 مليار دولار. فبعد توقيع العقد، رفضت الإدارة الأميركية لسنوات متتالية إصدار تراخيص تصدير محركات LHTEC اللازمة، وسط توتر أوسع بين واشنطن وأنقرة على خلفية شراء تركيا منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400 وما تبعه من عقوبات وتجميد فعلي لصفقات سلاح أميركية-تركية متعددة. (للمزيد عن عمق التعاون الصناعي الدفاعي التركي-الباكستاني في ملفات أخرى، راجع تقرير DefenceArabia عن صفقة فرقاطات MILGEM/Babur المشتركة). اضطرت تركيا وباكستان لتمديد نافذة التسليم مراراً (كان آخرها تمديد بعام كامل في مطلع 2020)، ولم يُعثر على تأكيد بإتمام الصفقة أو إلغائها حتى تاريخ هذا التقرير. وقد لوّحت رئاسة الصناعات الدفاعية التركية (SSB) في مرحلة ما بخيار بديل: تزويد مروحيات باكستان بمحرك TS1400 التركي الصنع بالكامل -وهو حل يتطلّب إعادة اختبار واعتماد المنصة بأكملها.
في المقابل، سمحت واشنطن عام 2021 بتصدير محركات LHTEC لست مروحيات بيعت للفلبين، رغم استمرار حظرها على الصفقة الباكستانية الأكبر في التوقيت نفسه -أول مؤشر على أن القيد لم يكن شاملاً بقدر ما كان مرتبطاً بالعلاقة الثنائية مع الدولة المشترية تحديداً. أما بخصوص بنغلاديش، فتشير تقارير متفرقة من مارس 2026 -غير مؤكدة رسمياً من الحكومة الأميركية أو من بيان رسمي لمعهد SIPRI، وتستند فقط إلى بيانات يُستشهد بأنها من قاعدة بيانات المعهد منقولة عبر منصات ومدونات دفاعية- إلى أن واشنطن وافقت على تصدير 12 محرك LHTEC CTS800-4A (ما يتسق مع محركين لكل من المروحيات الست) الخاصة بصفقة بنغلاديش. هذا الادعاء يبقى غير مؤكد من مصدر أولي حتى تاريخ النشر، لكنه إن صحّ يمثّل سابقة لافتة: سماح أميركي لعميل تصدير تركي بمحرك ظل محجوباً عن حليف أقدم وأكبر (باكستان) لأكثر من ست سنوات متواصلة.
أبرز القيود
- لا عقد تجاري نهائي موقَّع حتى تاريخ النشر؛ الصفقة في طور الموافقة الحكومية مع ترقّب إتمام تعاقدي يُفترض خلال السنة المالية 2025-2026.
- تضارب غير محسوم بين المصادر حول العدد الدقيق (ستة مقابل ثمانية)، العملة (دولار مقابل يورو)، وما إذا كانت منظومة هيسار-O+ جزءاً فعلياً من نفس حزمة الـ600 مليون.
- موافقة واشنطن المزعومة على تصدير محرك LHTEC تستند إلى تقارير ثانوية فقط، دون تأكيد رسمي من وزارة الخارجية الأميركية أو SIPRI نفسها.
- لا تفاصيل علنية عن تنافس حقيقي وموثَّق مع AH-1Z أو Mi-28؛ الوصف المتداول لأسباب تفضيل T129 تحليلي لا مستند لوثائق مناقصة.
- لا تأكيد لأي تصنيع محلي أو نقل تكنولوجيا ملموس حتى تاريخ النشر؛ ما ورد هو عروض تركية عامة بدعم صيانة محلي وخيارات تكامل أنظمة مستقبلية دون تفاصيل تعاقدية.
- الاستقرار السياسي نفسه غير مضمون: فوز حزب بنغلاديش القومي في انتخابات فبراير 2026 يطرح احتمال مراجعة أولويات التسلّح الموروثة عن الحكومة الانتقالية.
الكلفة: حزمة أم سعر وحدة؟
تكرّر معظم المصادر رقم 600 مليون دولار أميركي كقيمة إجمالية للصفقة، أحياناً للمروحيات الست وحدها، وأحياناً أخرى -حسب الصياغة- كحزمة أوسع قد تشمل هيسار-O+. تحذير ضروري: قسمة 600 مليون دولار على ست مروحيات لإنتاج “سعر وحدة” قدره 100 مليون دولار -كما فعل أحد مقاطع الفيديو الدفاعية المتداولة على الإنترنت- خطأ تحليلي شائع، إذ إن أي رقم حزمة من هذا النوع يشمل عادة التدريب والمحاكيات والذخائر الأولية وقطع الغيار وربما دعماً لوجستياً متعدد السنوات، لا سعر الطائرة “عارية” فقط. تقديرات مستقلة لسعر الوحدة القياسية لمروحية T129 (بمعزل عن أي حزمة قطرية محددة) تراوحت في مصادر متفرقة حول 50 مليون دولار، لكن هذا الرقم نفسه تقديري ولم يصدر عن المصنّع رسمياً، ويتفاوت بحسب التسليح والمنظومات الفرعية المطلوبة لكل عميل.
جدول مقارنة: T129 ATAK مقابل البدائل والأسطول القديم
| العنصر | T129 ATAK (تركيا) | AH-1Z Viper (أميركا) | Mi-28 (روسيا) | Mi-171Sh (الأسطول القديم) |
|---|---|---|---|---|
| التصنيف | مروحية هجومية مخصصة | مروحية هجومية مخصصة | مروحية هجومية مخصصة | مروحية نقل/هجوم مرتجل |
| المحرك | LHTEC CTS800-4A (أميركي-بريطاني، خاضع لـITAR) | جنرال إلكتريك T700 (أميركي) | كليموف VK-2500 (روسي) | كليموف TV3-117 (روسي) |
| السرعة القصوى | ~281 كم/س | ~296 كم/س | ~300 كم/س | ~250 كم/س |
| ذخائر موجهة مضادة للدروع | UMTAS وCirit (روكتسان) | Hellfire | Ataka / Vikhr | غير مزوَّدة أصلاً |
| القيود السياسية على التصدير لبنغلاديش | عقدة محرك أميركي (تُروى موافقة غير مؤكدة 2026) | غير مطروحة رسمياً؛ لا عرض تجاري موثّق | غير مطروحة رسمياً؛ لا عرض تجاري موثّق | لا قيود (مصدر تقليدي) |
| وضعية بنغلاديش | C — موافقة حكومية، لا عقد نهائي | غير معلن | غير معلن | A — في الخدمة منذ 2010 |
| التسليم المتوقع | 2027 (مستهدف) | — | — | مكتمل تدريجياً |
بيانات AH-1Z وMi-28 لأغراض المقارنة التقنية العامة فقط؛ لا يوجد مصدر يؤكد تقديم عرض تجاري رسمي من أي من البلدين لبنغلاديش في هذا الملف تحديداً.
الجدول الزمني
كيف ينظر الجوار الإقليمي للصفقة؟
أثارت الصفقة -رغم محدوديتها العددية- جدلاً إعلامياً ملحوظاً في الهند. فبعض وسائل الإعلام الهندية صوّرت احتمال حيازة بنغلاديش لمروحيات T129 ATAK بوصفه تهديداً محتملاً لأمن “ممر سيليغوري” الاستراتيجي الضيق الذي يربط شمال شرق الهند بباقي البلاد، فيما يربط محللون آخرون الملف بتوتر أوسع بين أنقرة ونيودلهي عقب دعم تركيا الدبلوماسي لباكستان خلال التصعيد العسكري بينها وبين الهند في مايو 2025. باحثة تركية متخصصة في الشأن الهندي، الدكتورة دويغو تشاغلا بايرام، كتبت في مجلة Politics Today أن القلق الهندي من الحضور الدفاعي التركي في بنغلاديش يتجاوز قلقها التقليدي من النفوذ الصيني، كون تركيا عضواً في الناتو وتمثّل -من منظورها- “نوعاً جديداً من التحدي” لا تملك نيودلهي خبرة تراكمية في إدارته كما هو الحال مع بكين.
في المقابل، طرح الباحث البنغلاديشي محمد هيمل رحمن (محاضر العلاقات الدولية بجامعة Gopalganj للعلوم والتكنولوجيا) في مقال رأي بصحيفة Asia Times قراءة مضادة: فالصين تبقى المورّد الأول بفارق كبير (نحو 72% من واردات السلاح البنغلاديشية بين 2019 و2023 بحسب تقديرات مستندة لبيانات SIPRI)، والهند نفسها تملك أكثر من 148 مروحية هجومية في الخدمة، ما يجعل من غير الواقعي اعتبار ست مروحيات بنغلاديشية تهديداً جدياً لـ“ممر سيليغوري” أو للأمن الهندي عموماً. ويذكّر الكاتب بأن الثقافة الاستراتيجية البنغلاديشية ظلت دفاعية بحتة منذ 1971، وأن الدستور البنغلاديشي ذاته يرفض استخدام القوة كأداة للعلاقات الدولية، مستنتجاً أن الصفقة تعكس تنويعاً تجارياً وعملياتياً أكثر من كونها جزءاً من محور سياسي معادٍ للهند.
لماذا أصبحت الأنظمة التركية جذابة لبنغلاديش تحديداً؟
بالنسبة لبنغلاديش تحديداً، يبدو أن جاذبية الخيار التركي تكمن أقل في عامل السعر المجرد وأكثر في “سرعة الوصول” لقدرة لم تكن متاحة سابقاً بشروط سياسية أقل تعقيداً من المسار الأميركي (الذي يتطلّب موافقات كونغرس وترخيص صادرات متعدد الطبقات) أو الروسي (الذي يصطدم بمخاطر العقوبات الثانوية المرتبطة بقانون CAATSA الأميركي عند التعامل مع موردي أسلحة روس). الصفقة التركية، رغم اعتمادها الجزئي على مكوّن أميركي حساس (محرك LHTEC)، منحت دكا على الأقل خياراً مطروحاً عملياً وبخطوات أسرع نسبياً من المسارات الأخرى -وهذا تحديداً ما تكرر في ملفات تصدير مماثلة لنيجيريا وأذربيجان والفلبين، حيث مثّلت المنصة التركية بديلاً وسطياً بين التعقيد الأميركي والمخاطر السياسية للتوريد الروسي.
ماذا تعني هذه الصفقة للعالم العربي؟
الملف البنغلاديشي ليس حالة معزولة، بل إضافة لسلسلة متنامية من عملاء تصدير T129 ATAK تشمل باكستان (متعثرة) والفلبين (مكتملة) ونيجيريا والصومال وبنغلاديش الآن. بالنسبة لدول عربية تدرس أو تشغّل بالفعل منصات تركية تعتمد على مكوّنات أميركية أو أوروبية حساسة (كما هي الحال مع بعض أنظمة الاستشعار والدفع في منظومات مسيّرة وصاروخية تركية)، يقدّم مسار بنغلاديش-باكستان درساً عملياً: أن موافقات تصدير المكوّنات الفرعية الخاضعة لقوانين مثل ITAR ليست دالة فقط على طبيعة المنصة نفسها، بل على حالة العلاقة الثنائية بين واشنطن والدولة المشترية في لحظة بعينها -وهو عامل غير ثابت يمكن أن يتغيّر خلال سنوات قليلة كما تُظهر المقارنة بين تعثّر باكستان واحتمال تيسّر الطريق أمام بنغلاديش والفلبين.
كما يبرز الملف أهمية تنويع مصادر التسلّح كأداة سياسية بحد ذاتها، لا لأسباب تقنية بحتة فقط: فالدول التي تسعى لتقليل اعتمادها الحصري على مورّد واحد (كما سعت بنغلاديش لتخفيف اعتمادها التاريخي على روسيا والصين) تجد في تركيا -بصفتها عضواً في الناتو ومصنّعاً مستقلاً نسبياً- مساحة وسطى جذابة، رغم أن هذه المساحة الوسطى تبقى، كما يوضح هذا الملف، مقيَّدة جزئياً بسلاسل توريد لا تملك أنقرة وحدها حق القرار النهائي فيها.
الأسئلة الشائعة
هل اشترت بنغلاديش مروحيات T129 ATAK فعلياً؟
لا، ليس بعد. ما جرى حتى تاريخ النشر هو موافقة حكومية-حكومية معلنة عبر تقارير إعلامية متعددة، دون نشر عقد تجاري نهائي موقَّع أو تسليم فعلي لأي مروحية. التسليم المستهدف 2027.
كم عدد المروحيات التي ستحصل عليها بنغلاديش؟
معظم المصادر تذكر ست مروحيات، لكن تقريراً سابقاً أشار إلى ثماني مروحيات دون تأكيد لاحق لأي من الرقمين بشكل قاطع.
هل هذه أول مروحية هجومية مخصصة لبنغلاديش؟
نعم. سلاح الجو البنغلاديشي لم يشغّل من قبل مروحية مصمَّمة خصيصاً للقتال الهجومي؛ اعتمد تاريخياً على مروحيات Mi-171Sh الروسية المسلّحة بصورة مرتجلة.
لماذا تأخرت صفقة باكستان المماثلة لسنوات؟
بسبب رفض الإدارات الأميركية المتعاقبة إصدار ترخيص تصدير لمحرك LHTEC CTS800 الأميركي-البريطاني الذي تعتمد عليه المروحية، في سياق توتر أوسع بين واشنطن وأنقرة بعد شراء الأخيرة منظومة S-400 الروسية.
هل الصفقة موجَّهة ضد الهند؟
لا يوجد مصدر رسمي بنغلاديشي أو تركي يصف الصفقة بهذه الصورة؛ مسؤولون بنغلاديشيون نفوا وجود “تحالف” مناهض للهند، بينما تختلف قراءات المحللين الهنود والبنغلاديشيين حول حجم القلق الاستراتيجي المبرَّر.
الخلاصة
بالنظر إلى غياب أي قدرة هجومية جوية دوّارة مخصصة لدى بنغلاديش طوال أكثر من خمسين عاماً، وإلى المسار السياسي الذي رسمته حكومة الفترة الانتقالية نحو تنويع مصادر التسلّح بعيداً عن الاعتماد الحصري التقليدي، يبدو التوجّه نحو T129 ATAK التركية مفهوماً من زاوية الحاجة العملياتية والفرصة السياسية معاً. غير أن الصفقة، في صورتها الحالية، تبقى أقرب لقرار سياسي واضح الاتجاه منها إلى عملية شراء مكتملة الأركان: لا عقد تجاري نهائي، لا تأكيد رسمي لعدد الوحدات أو قيمتها الدقيقة، ولا يقين كامل حول مصير ترخيص تصدير المحرك الأميركي الذي بقي العقبة الأهم أمام صفقات مماثلة لسنوات. السنوات القليلة المقبلة -وتحديداً ما إذا كانت حكومة بنغلاديش القومي الجديدة ستحافظ على هذا المسار أو تراجعه- ستحدّد ما إذا كانت هذه الصفقة ستنضم لقائمة عملاء T129 المكتملين كالفلبين والصومال، أم ستتعثّر على غرار تجربة باكستان الأطول والأكثر تعقيداً.
المصادر
- Aviation News Europe — تفاصيل لقاء 13 يناير 2026 في دكا وتأكيد طلب ست مروحيات.
- Defence Security Asia — تفاصيل حزمة الـ600 مليون دولار وبرنامج Forces Goal 2030 واقتباسات مسؤولين بنغلاديشيين.
- Defence Affairs (Substack) — تقرير غير مؤكد رسمياً عن موافقة أميركية على تصدير محركات LHTEC لصفقة بنغلاديش.
- Defense News — تسلسل تعثّر صفقة باكستان وتمديداتها المتكررة.
- Defense News — موافقة واشنطن على تصدير محركات لصفقة الفلبين رغم استمرار حظر صفقة باكستان.
- Prothom Alo (صحيفة بنغلاديشية) — خلفية اتفاقية شراء مسيّرات Bayraktar TB2 عام 2022.
- The Week (الهند) — تحليل الدكتورة دويغو تشاغلا بايرام حول القلق الهندي من الحضور الدفاعي التركي.
- Asia Times — مقال رأي للباحث محمد هيمل رحمن حول عدم واقعية اعتبار الصفقة تهديداً للهند.
- Chatham House — تحليل التحول الجيوسياسي في بنغلاديش بعد أغسطس 2024.
- بيانات أرشيفية لمعهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI) حول مشتريات بنغلاديش من مروحيات Mi-171/Mi-171Sh الروسية، كما نقلتها مصادر إعلامية متخصصة.
- Turkish Aerospace Industries (TAI/TUSAŞ) — المواصفات التقنية الرسمية لمروحية T129 ATAK.