غرق سفينة الحاويات GFS Pride في مضيق هرمز.. أعنف أسبوع هجمات على السفن منذ بدء حرب إيران

غرق سفينة الحاويات GFS Pride في مضيق هرمز.. أعنف أسبوع هجمات على السفن منذ بدء حرب إيران

غرقت سفينة الحاويات GFS Pride المسجّلة في سنغافورة في مياه مضيق هرمز بعد تعرّضها لهجوم بمقذوف مجهول أدى إلى اشتعال النيران فيها، في وقت سجّل فيه المضيق الاستراتيجي أعنف أسبوع هجمات منذ بدء الحرب الأمريكية-الإيرانية، بواقع 12 هجوماً على سفن تجارية خلال أسبوع واحد، منها ست سفن في يوم واحد هو 11 أكتوبر. أُجلي جميع أفراد طاقم “GFS Pride” البالغ عددهم 21 بحاراً بأمان، بينما أكّدت هيئة الملاحة البحرية في سنغافورة غرق السفينة في وقت لاحق، في ثاني حادثة غرق لسفينة كبيرة في هذا النزاع بعد سفينة الحاويات “Safeen Prestige” في الربيع الماضي.

مدمرة أمريكية ترافق سفينة إنزال برمائي خلال عبورهما مضيق هرمز
صورة أرشيفية للبحرية الأمريكية تُظهر مدمرة الصواريخ الموجهة USS Stout ترافق سفينة الإنزال البرمائي USS Bataan خلال عبور مضيق هرمز، الممر الذي يشهد تصعيداً غير مسبوق في الهجمات على السفن التجارية. المصدر: البحرية الأمريكية (صورة حكومية أمريكية، نطاق عام).

ما الذي حدث في مضيق هرمز؟

بحسب بيانات رصدتها هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (UKMTO) ونقلتها عدة مصادر بحرية متخصصة، شهد الأسبوع الممتد بين 5 و11 أكتوبر 2026 ما لا يقل عن 12 هجوماً على سفن تجارية في مضيق هرمز والخليج العربي، وهو أعلى معدل أسبوعي مسجَّل منذ اتساع الحرب الإيرانية-الأمريكية إلى الملاحة البحرية. شهد يوم 11 أكتوبر وحده تعرّض ست سفن للهجوم -خمس ناقلات وسفينة حاويات واحدة- في مضيق هرمز وقرب مرسى صحار العُماني، وهو أعلى عدد هجمات في يوم واحد منذ بداية النزاع، وفق هيئة المعلومات البحرية المشتركة (JMIC) التابعة للبحرية الأمريكية.

وفي 13 أكتوبر، تعرّضت سفينة الحاويات “GFS Pride” لهجوم بمقذوف تسبب في أضرار وحريق على متنها، فيما ادّعى الحرس الثوري الإيراني -دون تقديم دليل- أن السفينة اصطدمت بلغم بحري. أعلنت هيئة الموانئ والملاحة البحرية في سنغافورة (MPA) في 14 أكتوبر غرق السفينة رسمياً، ووصفت الهجوم بأنه “غير مشروع وغير مبرر وخرق للقانون الدولي”. في اليوم التالي مباشرة، تعرّضت سفينة حاويات أخرى تحمل العلم السنغافوري، “GFS Giselle”، لهجوم ألحق أضراراً بهيكلها لكنها تمكّنت من الوصول إلى مرسى آمن بقوتها الذاتية، وأُعلن عن سلامة طاقمها البالغ 22 بحاراً.

وقبل ذلك بأيام، في 9 أكتوبر، تعرّضت الناقلة الخام “GEM No. 2” التي ترفع علم بنما لهجوم بمسيّرة على ارتفاع قرب الشارقة في الإمارات العربية المتحدة، ونجحت أطقم الطوارئ في إخماد الحريق الناجم عنه، وأعلنت السلطات الهندية سلامة جميع أفراد الطاقم البالغ عددهم 22 بحاراً. كما وثّق الموقع في تقرير سابق واقعة مماثلة قرب مرسى صحار العُماني استهدفت ناقلة “بترو دولفين”، وأدت إلى فقدان بحّارين هنديين وإنقاذ تسعة آخرين.

بحسب ما نقلته المصادر البحرية والدولية

موقع “جي كابتن” (gCaptain) المتخصص في الشؤون البحرية أفاد بأن غرق “GFS Pride” يمثل ثاني حادثة غرق مؤكدة لسفينة بحرية كبيرة في هذا النزاع، بعد سفينة الحاويات “Safeen Prestige” التي تحمل علم مالطا وتديرها شركة “ترانسمار شيبينغ” المتمركزة في أبوظبي، والتي تعرّضت لهجوم في مارس الماضي وغرقت بعد أسابيع من اشتعال الحرائق على متنها قرب رأس مدركة العُمانية. أما صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية، فنقلت عن مصادر أمنية بحرية أن رويترز وثّقت 12 هجوماً على ناقلات نفط وغاز ومنتجات نفطية بين 28 سبتمبر و5 أكتوبر، في حين رصدت المنظمة البحرية الدولية (IMO) تسع حوادث فقط خلال نفس الفترة، ما يعكس تفاوتاً في آليات التوثيق والتحقق بين الجهات الراصدة.

ولم يصدر حتى الآن تأكيد رسمي موحّد من جميع الأطراف بشأن العدد الدقيق للسفن المتضررة أو هوية الجهة المنفذة لكل هجوم على وجه التحديد، إذ تعتمد هيئة UKMTO نفسها على بلاغات السفن ومصادر أخرى، وتحذّر من أن بعض الحوادث قد لا تظهر في تقاريرها فوراً.

المواقف الرسمية المتباينة

من الجانب الأمريكي، قالت هيئة المعلومات البحرية المشتركة (JMIC) إن النمط المتكرر للهجمات يعكس نيّة إيرانية لـ”تأكيد الوجود على طول ممرات العبور الرئيسية والحفاظ على الضغط على السفن العابرة”، وأبقت على تصنيف مستوى التهديد في مضيق هرمز عند الدرجة “شديد” (Severe)، وهي ثاني أعلى درجة في تصنيفها، مرجّحة أن يكون أي عمل عدائي جديد “محتملاً بقوة”. في المقابل، أكدت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) أن “القوات الأمريكية وشركاءها الإقليميين يسيطرون بوضوح على مضيق هرمز”، وأنها ساعدت في مرور أكثر من 19 مليون برميل من النفط الخام عبر المضيق. وذهب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى القول إن “مضيق هرمز مفتوح، وتدفقات النفط التجارية تعافت إلى حد كبير”، مضيفاً أن إيران “فقدت السيطرة الكاملة على المضيق”.

في الجهة المقابلة، كرّر قادة إيرانيون التهديد بإغلاق الممرات التي يعتبرونها “غير مصرَّح بها”، حيث قال رئيس أركان الجيش الإيراني، حبيب الله سياري: “لقد وجّهنا ضربات لسفن العدو، وإذا حدث أي شيء آخر ضد إيران فسنضربها مجدداً”، بينما هدد مستشار قائد الحرس الثوري، محمدرضا نقدي، بإغلاق “الممرات غير المشروعة” بما فيها المسارات القريبة من السواحل العُمانية. كما زعم الحرس الثوري أن ناقلة نفط عملاقة اصطدمت بلغم بحري بعد عبورها المضيق دون تفعيل أجهزة تحديد هويتها، لكن محللين متخصصين في النقل البحري -من بينهم سال ميركوغليانو- شككوا في هذه الرواية، لافتين إلى أن اللقطات المصوَّرة لا تُظهر انفجاراً تحت الماء يتوافق مع اصطدام بلغم فعلي، بل تُظهر سفينة ثابتة دون حركة.

مضيق هرمز: الممر الذي يحمل خُمس نفط العالم

خريطة توضح موقع مضيق هرمز بين إيران وشبه الجزيرة العربية وخليج عُمان
خريطة لمضيق هرمز، الممر البحري الحيوي الذي يربط الخليج العربي ببحر عُمان ويشكّل المسرح الرئيسي لموجة الهجمات الأخيرة على السفن التجارية. المصدر: خريطة مشتقة من وثيقة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) عام 1980، عبر ويكيميديا كومنز (نطاق عام).

يُعد مضيق هرمز، الذي يفصل إيران عن شبه الجزيرة العربية ويربط الخليج العربي ببحر عُمان والمحيط الهندي، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية على مستوى العالم، حيث كانت تعبره في المعدل الطبيعي قبل الحرب نحو 130 إلى 140 سفينة يومياً، تحمل ما يقارب خُمس إجمالي الاستهلاك العالمي من النفط الخام، فضلاً عن شحنات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال القطري. ومع تصاعد الهجمات، تراجعت حركة العبور المدعومة أمنياً من القوات الأمريكية إلى نحو 29 عملية عبور يومياً خلال الأيام الأخيرة، مقارنة بمعدل تاريخي يبلغ نحو 138 عملية، بحسب بيانات استشهدت بها “ذا ناشيونال”.

ويشكّل الغموض حول الجهة المنفّذة للهجمات -بين مسيّرات وصواريخ كروز ومقذوفات مجهولة وادعاءات بألغام بحرية- عنصر خطورة إضافياً على حركة الشحن، حيث ارتفع عدد الحوادث البحرية الموثقة منذ بداية النزاع إلى أكثر من 100 حادثة أمنية، وسقط فيها ما لا يقل عن 24 بحاراً، وفق قوائم تجمعها المنظمة البحرية الدولية.

التاريخ السفينة / الحادثة العلم النتيجة
6 أكتوبر ناقلة نفط خام غير محددة الاسم غير محدد مقذوف مجهول، أضرار محدودة دون إصابات
7 أكتوبر ناقلة قرب مدينة الشمال، قطر غير محدد عدة مقذوفات، إصابات بين الطاقم
9 أكتوبر GEM No. 2 بنما هجوم بمسيّرة قرب الشارقة، حريق أُخمد، 22 بحاراً بأمان
11 أكتوبر 6 سفن (5 ناقلات + سفينة حاويات) متعددة أعنف يوم هجمات منذ بدء النزاع
12-13 أكتوبر بترو دولفين نيكاراغوا هجوم مسيّرة قرب صحار، عُمان، فقدان بحّارين هنديين
13 أكتوبر GFS Pride سنغافورة مقذوف وحريق، غرقت السفينة لاحقاً، 21 بحاراً أُجلوا بأمان
14 أكتوبر GFS Giselle سنغافورة أضرار هيكلية، وصلت لمرسى آمن، 22 بحاراً بأمان

سابقة “Safeen Prestige”: أول سفينة كبيرة تُفقد في النزاع

لم تكن “GFS Pride” أول خسارة بحرية كبرى في هذا النزاع. فقد تعرّضت سفينة الحاويات “Safeen Prestige”، التي بُنيت في الصين عام 2013 وتحمل علم مالطا بسعة 1740 حاوية نمطية، لهجوم في مطلع مارس بعد اقتراب زورق صغير منها قرب عُمان خلال عبورها المضيق، ما أدى إلى اشتعال حريق في غرفة المحركات واضطرار الطاقم إلى إخلائها. وبعد أسابيع من استمرار اشتعال النيران على متنها -ظهرت في صور الأقمار الصناعية- أصدرت هيئة التحذيرات الملاحية “نافاريا 9” بلاغاً بغرق السفينة قرب رأس مدركة العُمانية على عمق نحو 120 متراً، محذرة من حطام حاويات وبقع زيتية. وكانت السفينة تُدار من قِبل شركة “ترانسمار شيبينغ” المتمركزة في أبوظبي، ما يعكس الامتداد المباشر لهذه الهجمات إلى أساطيل تديرها شركات خليجية.

لماذا يهم هذا التصعيد العالم العربي؟

الخسائر المتتالية في مضيق هرمز ليست مجرد حوادث بحرية عابرة، بل تهديد مباشر لأمن الطاقة والملاحة في دول الخليج العربي. فجميع دول مجلس التعاون الخليجي المصدّرة للنفط والغاز -وفي مقدمتها الإمارات وقطر والسعودية والكويت وعُمان- تعتمد على هذا الممر الضيق لتصدير مواردها الهيدروكربونية إلى الأسواق العالمية، وأي اضطراب طويل في حركة العبور يعني ارتفاعاً مباشراً في تكاليف الشحن والتأمين البحري “ضد مخاطر الحرب”، وهو ما بدأت شركات التأمين العالمية تسعّره فعلاً في عقودها الخاصة بالناقلات العابرة للمضيق.

كما أن عدداً من الحوادث الأخيرة أصاب سفناً قريبة مباشرة من المياه الإقليمية لدول خليجية؛ فحادثة “GEM No. 2” وقعت قرب الشارقة الإماراتية، وحادثتا “بترو دولفين” و”GFS Giselle” وقعتا قرب السواحل العُمانية، بينما استُهدفت ناقلة أخرى قرب مدينة الشمال القطرية. هذا التوسّع الجغرافي للهجمات، الذي يقترب تدريجياً من المياه الساحلية الخليجية بدلاً من مركز المضيق فقط، يضع ضغطاً متزايداً على القوات البحرية وخفر السواحل في دول الخليج لتعزيز قدراتها في كشف واعتراض المسيّرات والمقذوفات بعيدة المدى، وهو ما يفسّر جزئياً تسارع صفقات أنظمة مكافحة المسيّرات في المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة، من صفقة الكويت مع شركة “مارس” البريطانية إلى تعزيز أسطول كورفيتات “باني ياس” الإماراتية.

ويتزامن هذا التصعيد في هرمز مع توسّع جبهة بحرية موازية في البحر الأحمر وباب المندب، حيث تتعرض السعودية لهجمات حوثية متكررة استدعت نشر فرنسا عناصر دفاعية لحماية منشآت ينبع النفطية، ونشر الولايات المتحدة بطاريات باتريوت إضافية في السعودية وقطر. فدول الخليج تجد نفسها اليوم أمام تهديد بحري على جبهتين استراتيجيتين في الوقت نفسه -هرمز جنوباً وشرقاً، وباب المندب والبحر الأحمر غرباً- وهو ما يرفع من أهمية التنسيق الجماعي بين منظومات الدفاع الجوي والبحري العربية ومبادرات التعاون الأمني البحري المطروحة إقليمياً.

أسئلة شائعة

ما هي هيئة UKMTO؟

هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (UKMTO) هي مركز تابع للبحرية الملكية البريطانية مقره البحرين، يراقب حركة الشحن التجاري في الخليج وبحر العرب وخليج عدن، ويصدر تحذيرات وتقارير حوادث للسفن استناداً إلى بلاغات تصل إليه من الطواقم البحرية وجهات رصد أخرى.

ما مركز المعلومات البحرية المشترك (JMIC) ومعنى مستوى “شديد”؟

مركز المعلومات البحرية المشترك هو هيئة تحليل تابعة للقوات البحرية الأمريكية في المنطقة، يصدر تقييمات دورية لمستوى التهديد الملاحي. ومستوى “شديد” (Severe) هو ثاني أعلى درجة في تصنيفه، ويعني أن وقوع عمل عدائي إضافي ضد السفن التجارية “محتمل بقوة” في المنطقة المعنية.

لماذا يحظى مضيق هرمز بهذه الأهمية الاستراتيجية؟

لأنه الممر البحري الوحيد العملي لتصدير معظم نفط وغاز دول الخليج العربي عبر الناقلات، حيث يمر عبره في الأوضاع الطبيعية ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي من النفط الخام، إلى جانب كمية كبيرة من صادرات الغاز الطبيعي المسال القطري، ما يجعل أي اضطراب فيه ذا تأثير مباشر على أسواق الطاقة العالمية.

كم عدد السفن التي تعرضت للهجوم منذ بدء النزاع؟

بحسب قوائم جمّعتها المنظمة البحرية الدولية، سُجّلت أكثر من 100 حادثة أمنية بحرية منذ بدء الحرب الأمريكية-الإيرانية أواخر فبراير الماضي، سقط فيها ما لا يقل عن 24 بحاراً، فيما سجّل الأسبوع الممتد بين 5 و11 أكتوبر وحده 12 هجوماً، بينها ستة في يوم واحد هو الأعلى منذ بدء النزاع.

هل لا تزال الملاحة التجارية ممكنة عبر المضيق؟

نعم، لكن بوتيرة أقل بكثير من المعتاد وتحت حماية بحرية مكثفة. تؤكد القيادة المركزية الأمريكية استمرار مرور ملايين براميل النفط يومياً بمساعدة قواتها، إلا أن معدل عمليات العبور المدعومة أمنياً تراجع إلى نحو 29 عملية يومياً مقارنة بمعدل طبيعي سابق يبلغ نحو 138 عملية، ما يعكس حذراً كبيراً لدى شركات الشحن العالمية.

المصادر

  • gCaptain – تفاصيل غرق سفينة الحاويات GFS Pride وبيانات هيئة ميناء سنغافورة وتصريحات CENTCOM.
  • ذا ناشيونال – إحصاءات أسبوعية للهجمات وتصريحات وزير الخارجية الأمريكي وقيادات إيرانية.
  • إيران إنترناشونال – تفصيل بيانات هيئة UKMTO حول الهجمات الاثني عشر خلال أسبوع 5-11 أكتوبر.
  • ذا ماريتايم إكزكتيف – تفاصيل غرق سفينة الحاويات Safeen Prestige في مارس/أبريل الماضي.
  • إيه بي سي نيوز أستراليا – تغطية بلوغ الهجمات في مضيق هرمز أعلى معدل يومي منذ بدء الحرب.

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات مشابهة