فرقاطة «لانغدوك» الفرنسية تُسقط مسيّرة فوق سفينة حاويات عملاقة في باب المندب.. «لوموند» تكشف التفاصيل

فرقاطة «لانغدوك» الفرنسية تُسقط مسيّرة فوق سفينة حاويات عملاقة في باب المندب.. «لوموند» تكشف التفاصيل

كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن الفرقاطة الحربية لانغدوك (Languedoc) التابعة للبحرية الفرنسية أسقطت مسيّرة استهدفت سفينة الحاويات العملاقة CMA CGM Champs Élysées خلال عبورها مضيق باب المندب في الأول من أكتوبر الماضي. الحادثة، التي لم تُكشف للرأي العام إلا بعد أسبوعين تقريباً، تُظهر أن التوتر في جنوب البحر الأحمر لا يزال قائماً رغم تراجع وتيرة الهجمات الحوثية على السفن المرتبطة بالسعودية خلال الأسابيع الأخيرة.

الفرقاطة الفرنسية لانغدوك تبحر بجانب حاملة الطائرات الأمريكية آيزنهاور في البحر المتوسط
الفرقاطة لانغدوك (D653) خلال مهمة بحرية سابقة إلى جانب حاملة الطائرات الأمريكية USS Dwight D. Eisenhower. المصدر: البحرية الأمريكية (ملكية عامة).

ماذا حدث؟

بحسب ما نقلته «لوموند» عن أركان الجيش الفرنسي، فإن الحادثة وقعت ليلة الأول من أكتوبر بالقرب من مضيق باب المندب، الممر الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب. كانت الفرقاطة لانغدوك ترافق قافلة سفن تجارية تضم CMA CGM Champs Élysées، إحدى أضخم سفن الحاويات العاملة بالغاز الطبيعي المسال في أسطول الشركة الفرنسية، وسفينة أخرى تابعة لشركة MSC السويسرية.

رصدت الفرقاطة مسيّرة اقتربت من القافلة ورأت فيها تهديداً محتملاً، فأطلقت عليها النار بمدفعها الرئيسي عيار 76 ملم وأسقطتها قبل أن تصل إلى السفن. وبحسب المعلومات التي أوردتها «لوموند»، يُرجَّح أن تكون المسيّرة من طراز استطلاعي مزوّد بكاميرا فقط دون رأس حربي، إلا أن قائد الفرقاطة تعامل معها باعتبارها خطراً محتملاً على القافلة. وفور الإطلاق، غيّرت سفينة الحاويات مسارها وسرعتها كإجراء احترازي إضافي.

لم تصدر أي جهة حوثية تبنياً رسمياً لإطلاق المسيّرة حتى لحظة نشر هذا التقرير، ولم تكشف أركان الجيش الفرنسي عن الجهة التي أطلقتها، مكتفية بتأكيد وقوع الحادثة لـ«لوموند».

سفينة الحاويات العملاقة CMA CGM Champs Élysées العاملة بالغاز الطبيعي المسال في ميناء هامبورغ
سفينة الحاويات CMA CGM Champs Élysées (23,112 حاوية قياسية)، السفينة التي رافقتها لانغدوك قرب باب المندب. المصدر: Wolfgang Fricke عبر Wikimedia Commons (CC BY 3.0).

ما الذي قالته المصادر؟

الصحيفة الفرنسية، التي اطّلعت على تفاصيل الحادثة من مصادر عسكرية وبحرية، أشارت إلى أن طواقم السفن التجارية العابرة لباب المندب باتت تعيش حالة من القلق المستمر. فبحسب ممثلي نقابات البحّارة الذين تحدثوا إلى «لوموند»، يرفض بعض الطواقم الإبحار في هذا الممر رغم الحوافز المالية، في حين وافقت شركة CMA CGM على صرف «علاوة حرب» قدرها 1500 يورو لكل بحّار يقبل بالعبور عبر البحر الأحمر. وأكدت الشركة من جهتها أن كل عملية عبور تتم بموافقة الطاقم، وأنها تجري مشاورات يومية مع النقابات والعاملين على متن سفنها.

ولم تنقطع CMA CGM بالكامل عن خط البحر الأحمر منذ تصاعد هجمات الحوثيين على الملاحة نهاية عام 2023، بل واصلت تسيير بعض سفنها معتمدة على الحماية العسكرية الفرنسية وعلى عملية «أسبيدس» (Aspides) الأوروبية.

الفرقاطة الفرنسية لانغدوك من طراز FREMM راسية في الميناء
الفرقاطة لانغدوك (D653) من طراز FREMM خلال زيارة ميناء سابقة. المصدر: Daderot عبر Wikimedia Commons (CC0).

لانغدوك.. فرقاطة FREMM بسجل مواجهات سابق مع مسيّرات الحوثيين

لانغدوك (D653) إحدى فرقاطات طراز «أكيتين» (Aquitaine) ضمن برنامج FREMM الفرنسي-الإيطالي المشترك الذي تنفذه شركة Naval Group، ودخلت الخدمة في البحرية الفرنسية عام 2017 بتخصص أساسي في مكافحة الغواصات. تبلغ إزاحتها نحو 6000 طن وطولها نحو 142 متراً، وتحمل مدفعاً رئيسياً عيار 76 ملم، ومنظومة صواريخ أستر (Aster 15/30) للدفاع الجوي عبر منصات الإطلاق العمودية Sylver، إضافة إلى صواريخ إكزوسيت المضادة للسفن وطوربيدات MU90 ومروحية من طراز NH90.

هذه ليست المرة الأولى التي تتصدى فيها لانغدوك لمسيّرات قادمة من اتجاه اليمن؛ ففي ديسمبر 2023 أسقطت الفرقاطة طائرتين مسيّرتين قبالة سواحل الحديدة باستخدام صواريخ أستر 15، وبعدها بأيام اعترضت مسيّرة أخرى كانت تهدد الناقلة النرويجية Strinda. ومنذ ذلك الحين، حافظت البحرية الفرنسية على وجود دائم في جنوب البحر الأحمر وخليج عدن لحماية الملاحة التجارية.

عملية «أسبيدس» الأوروبية.. حماية محدودة الموارد

تشكل الحادثة اختباراً جديداً لعملية «أسبيدس» البحرية التي أطلقها الاتحاد الأوروبي في فبراير 2024 بمهمة دفاعية بحتة تقتصر على حماية السفن التجارية دون استهداف مواقع الحوثيين على اليابسة. وبحسب بيانات العملية حتى نهاية أغسطس الماضي، رافقت القوات الأوروبية أكثر من 2390 سفينة تجارية عبر الممر، ووفرت حماية مباشرة لأكثر من 720 سفينة منذ انطلاقها، باستخدام سفينتين حربيتين فقط في المعتاد، وهو عدد تناقش الدول الأعضاء رفعه في ظل استمرار التهديد.

المؤشر الرقم (حتى نهاية أغسطس 2026)
عدد السفن التجارية المرافَقة ضمن عملية أسبيدس منذ فبراير 2024 أكثر من 2390 سفينة
عدد السفن التي حصلت على حماية مباشرة أكثر من 720 سفينة
عدد سفن CMA CGM العابرة لقناة السويس خلال 2025 (كامل العام) 212 سفينة بحمولة 18.8 مليون طن
عدد سفن CMA CGM العابرة لقناة السويس حتى نهاية أغسطس 2026 199 سفينة بحمولة 5.2 مليون طن

انخفاض حمولة سفن CMA CGM العابرة للقناة في 2026 مقارنة بعام 2025 كاملاً يعكس استمرار حذر شركات الملاحة العالمية من خط البحر الأحمر، رغم محاولات الشركة الحفاظ على حضورها فيه بدعم عسكري.

لماذا يهم هذا التطور العالم العربي؟

مضيق باب المندب ليس مجرد ممر مائي عابر، بل هو البوابة الجنوبية لقناة السويس وأحد أهم الشرايين التي تمر عبرها صادرات النفط الخليجي والتجارة بين الموانئ العربية وأوروبا وآسيا. أي حادثة أمنية فيه، حتى لو استهدفت سفينة أوروبية لا تحمل علاقة مباشرة بالخليج، تنعكس مباشرة على تكلفة التأمين وتوقيت الشحن لموانئ جدة وينبع وجازان وعدن والعقبة، وعلى إيرادات مصر من قناة السويس التي تأثرت أصلاً بتراجع أعداد السفن العابرة منذ بداية أزمة الحوثيين قبل الملاحة.

الحادثة تؤكد أيضاً أن التهديد لا يقتصر على السفن المرتبطة بالسعودية كما كان الحوثيون يصرّحون سابقاً، بل يمتد إلى أي سفينة عابرة للممر بصرف النظر عن جنسيتها أو وجهتها، في وقت تخوض فيه القوات اليمنية الحكومية عملية «فجر اليمن» لاستعادة مواقع قرب باب المندب من الحوثيين، وتعمل الرياض بدعم فرنسي على تأمين منشآتها النفطية في ينبع. فأي ثغرة أمنية في جنوب البحر الأحمر تهدد في آنٍ واحد خطوط إمداد الطاقة الخليجية، وجهود السعودية لحماية سواحلها، وموقع مصر كبوابة تجارية عالمية.

كما تطرح الحادثة سؤالاً عملياً أمام دول الخليج: هل الاعتماد على تحالفات دولية محدودة الموارد مثل «أسبيدس»، أو على مرافقة ثنائية من دولة واحدة كفرنسا، كافٍ لتأمين ممر بهذه الأهمية الاستراتيجية؟ أم أن الأمر يستدعي تنسيقاً بحرياً عربياً وخليجياً أوسع، خصوصاً مع امتلاك دول مثل مصر والمغرب فرقاطات من نفس عائلة FREMM التي تنتمي إليها لانغدوك، وقدرة محتملة على المساهمة في تأمين الممرات المشتركة بدل الاكتفاء بانتظار الحماية الأوروبية أو الفرنسية؟

فرقاطات FREMM في الترسانات العربية

تملك مصر فرقاطة من طراز FREMM نفسه الذي تنتمي إليه لانغدوك، وهي «تحيا مصر»، التي كانت في الأصل مخصصة للبحرية الفرنسية باسم Normandie قبل أن تشتريها القاهرة عام 2015 في صفقة عاجلة مع باريس. أما المغرب فيملك فرقاطتين من الطراز نفسه ضمن أسطوله الملكي، ما يجعل تقنية FREMM حاضرة فعلياً في مياه البحر المتوسط والبحر الأحمر على السواء من خلال تشغيل عربي مباشر لها، لا عبر المراقبة من بعيد فحسب.

أسئلة شائعة

هل كانت المسيّرة التي أُسقطت مسلّحة؟
لم تؤكد المصادر العسكرية الفرنسية ذلك رسمياً، لكن التقارير تشير إلى احتمال كونها مسيّرة استطلاعية مزوّدة بكاميرا، تعاملت معها الفرقاطة كتهديد محتمل وفق قواعد الاشتباك المعمول بها.

لماذا تأخر الإعلان عن الحادثة أسبوعين؟
لم توضح أركان الجيش الفرنسي سبب التأخير، واكتفت بتأكيد الواقعة لصحيفة «لوموند» عند سؤالها، وهو نمط متكرر في التعامل مع حوادث الاعتراض التي لا تسفر عن إصابات أو أضرار مادية جسيمة.

هل لا تزال الهجمات الحوثية على السفن مستمرة بالوتيرة نفسها؟
تراجعت الهجمات المباشرة على السفن المرتبطة بالسعودية خلال الأسابيع الأخيرة بعد موجة هجمات طالت مطارات سعودية منها مطار الملك خالد بالرياض، لكن حوادث متفرقة في الممرات المائية المجاورة، كـغرق سفينة الحاويات GFS Pride في مضيق هرمز واستهداف قارب صغير لسفينة حاويات تابعة لشركة CU Lines، لا تزال تحدث، ما يبقي الممر تحت المراقبة الأمنية المشددة.

ما الفرق بين عملية أسبيدس الأوروبية والتحرك الفرنسي الأحادي؟
أسبيدس عملية دفاعية جماعية بقيادة أوروبية تقتصر على حماية الملاحة التجارية بسفينتين حربيتين عادة، بينما تحافظ فرنسا إلى جانبها على وجود بحري وطني خاص بها في المنطقة منذ 2023، يشمل مرافقة سفن فرنسية أو مرتبطة بشركات فرنسية مثل CMA CGM بشكل مباشر.

المصادر

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات مشابهة