بيرقدار أكينجي تدمّر منظومة الدفاع الجوي الصينية FK-2000 في السودان بذخيرة MAM-L
عاد حادث ضرب منظومة دفاع جوي صينية الصنع في السودان إلى الواجهة الإعلامية بعد أن تداولت مواقع متخصصة في الشؤون الدفاعية، منذ أوائل أغسطس 2026، لقطات ومعلومات تفصيلية عن عملية نفّذتها القوات المسلحة السودانية باستخدام طائرة مسيّرة مقاتلة تركية من طراز “بيرقدار أكينجي” (Bayraktar Akıncı) ضد منظومة دفاع جوي من طراز FK-2000 الصينية كانت تشغّلها قوات الدعم السريع شبه العسكرية. العملية نفسها، بحسب التواريخ الواردة في التقارير، وقعت في 10 فبراير 2026 قرب بلدة “أم دبيبات” (Ed Dubeibat) بولاية جنوب كردفان، أي قبل نحو ستة أشهر من انتشار موادها المصورة على نطاق واسع في وسائل إعلام دفاعية دولية.
التأخر بين وقوع الحدث وتداوله الواسع ليس أمراً غريباً في سياق الحرب السودانية، حيث كثيراً ما تُنشر لقطات العمليات العسكرية بعد أسابيع أو أشهر من وقوعها الفعلي، إما لأسباب أمنية أو لأغراض إعلامية وتوقيتية تخص الأطراف المعنية. وتُجمع المصادر التي تناولت الواقعة على أن الضربة استخدمت ذخيرة “MAM-L” الذكية الصغيرة من إنتاج شركة روكيتسان التركية، في ما يُعدّ أول استخدام قتالي مؤكد لهذه الذخيرة بنسختها الموجّهة بالتلفزيون (TV seeker) على متن منصة “أكينجي” خارج تركيا.

تفاصيل العملية
بحسب ما أورده موقع Military Africa، الذي نشر تقريره في 7 أغسطس 2026 وحدّثه في اليوم التالي، فإن الطائرة المسيّرة “أكينجي” نفّذت الضربة على مرحلتين: الأولى استهدفت مركبة الإطلاق الخاصة بمنظومة FK-2000، والثانية استهدفت رادار التتبع التابع لها، استناداً إلى لقطات نشرتها وكالة الأنباء السودانية الرسمية (سونا) توثّق تدمير كلا العنصرين. ونقل موقع Defence Blog، في تقرير نشره بتاريخ 10 فبراير 2026 وهو نفس يوم وقوع الحادث بحسب توثيقه، أن الجيش السوداني أعلن تدمير المنظومة “أثناء عمليات قتالية جارية” في محيط أم دبيبات، وأن الأخيرة كانت تُستخدم من قِبل وحدات قوات الدعم السريع لمضايقة عمليات سلاح الجو السوداني في وسط وجنوب البلاد.
من جهته، ذكر موقع Türkiye Today أن الذخيرة المستخدمة كانت من فئة “MAM-L” المزوّدة برأس باحث تلفزيوني يتيح التوجيه بواسطة الإنسان في الحلقة (man-in-the-loop)، فيما أشار موقع Defence Security Asia إلى أن الضربة نُفذت من ارتفاع وعلى مسافة تتجاوز نطاق اشتباك المنظومة المستهدفة، في ما يوصف عسكرياً بعملية “قمع للدفاعات الجوية المعادية” (SEAD/DEAD). وتتباين التقارير بشكل طفيف حول التاريخ الدقيق المُعلَن لبعض عناصر القصة (10 أو 13 فبراير بحسب المصدر)، إلا أن جميعها تتفق على الموقع والمنصة والذخيرة والنتيجة.
الموقف الرسمي السوداني
وصف المتحدث باسم القوات المسلحة السودانية، العميد أول عاصم عوض، العملية بأنها “عملية تحييد عالية الدقة” لمنظومة كانت “منتشرة في وضع تشغيلي وعلى جاهزية قتالية كاملة”، بحسب ما نقلته عدة مصادر دفاعية عن التصريح الرسمي. ولم يصدر عن قوات الدعم السريع تعليق منشور يمكن التحقق منه حول الحادثة حتى وقت إعداد هذا التقرير.
خلفية تقنية: أكينجي وذخيرة MAM-L
“بيرقدار أكينجي” هي طائرة مسيّرة مقاتلة (UCAV) ثقيلة من إنتاج الشركة التركية “بايكار”، تتميز بمحركين توربينيين يمنحانها مدى وارتفاع تشغيل أكبر من سابقتها “بيرقدار TB2″، إلى جانب حمولة أسلحة أكبر تشمل الذخائر الذكية الصغيرة من عائلة “MAM” والذخائر الموجهة الأثقل والصواريخ الجو-جو قصيرة المدى. أما ذخيرة “MAM-L” التي تنتجها شركة روكيتسان، فهي ذخيرة ذكية صغيرة يبلغ وزنها نحو 22 كيلوغراماً، صُممت أصلاً للعمل بالتوجيه بالليزر شبه الفعّال ضمن نطاق يصل إلى نحو 14 كيلومتراً حسب ارتفاع الإطلاق، وتتوفر برؤوس حربية متعددة (شديدة الانفجار مجزّأة، ومضادة للدروع “ترادفية”، وحرارية “ثيرموبارية”). وبحسب التقارير المتعلقة بضربة أم دبيبات، استُخدمت في هذه العملية نسخة مزوّدة برأس باحث تلفزيوني (TV seeker) بدلاً من التوجيه الليزري التقليدي، وهو ما اعتُبر أول توظيف قتالي موثّق لهذا التنويع من “MAM-L” خارج تركيا على متن منصة “أكينجي” تحديداً. لمزيد من التفاصيل التقنية حول هذه الذخيرة وتاريخها القتالي، يمكن مراجعة تقرير Envanter Medya عن ذخيرة MAM-L.

خلفية تقنية: منظومة FK-2000 الصينية
منظومة FK-2000 هي منظومة دفاع جوي قصيرة إلى متوسطة المدى من تطوير مؤسسة الصناعات الفضائية والعلوم الصينية (CASIC)، وتُركَّب على هيكل مدولب بمحاور 8×8. تجمع المنظومة بين صواريخ أرض-جو تتوزع على جانبي البرج بمنظومة رفع مستقلة، ومدفعين دوّارين سداسيي السبطانات عيار 30 ملم للدفاع القريب، إضافة إلى رادار بحث وتتبّع ومنظومة تتبع بصرية/تحت حمراء. وبحسب المواصفات المعلنة، يبلغ مدى اشتباك الصواريخ نحو 1.2 إلى 25 كيلومتراً ضد الطائرات، وما بين 1.2 و10 كيلومترات ضد الصواريخ الجوّالة. تُصنَّف المنظومة ضمن فئة أنظمة الدفاع الجوي قصيرة المدى المدمجة (Gun-Missile SHORAD)، وقد عُرضت للمرة الأولى علناً في معرض “تشوهاي” الجوي الصيني عام 2021.
سياق سابق: خسائر جوية سودانية منسوبة إلى دفاعات الدعم السريع
تُشير تقارير سودانية رسمية وشبه رسمية، أوردها موقع Defence Blog ضمن تغطيته، إلى أن الجيش السوداني كان قد نسب في وقت سابق إسقاط طائرة نقل ثقيلة من طراز إليوشن Il-76 قرب بلدة بابنوسة بولاية غرب كردفان، في نوفمبر 2025، إلى منظومات دفاع جوي تابعة لقوات الدعم السريع، مع إشارات إلى تحليل حطام الطائرة كدليل داعم لتورط منظومة من طراز FK-2000. كما تحدثت مصادر عسكرية سودانية عن خسارة عدد من الطائرات المسيّرة من طرازي “أكينجي” و”TB2″ في اشتباكات سابقة مع دفاعات الدعم السريع الجوية، من دون أن تتوفر أرقام رسمية موحّدة ومؤكدة بشكل مستقل لعدد هذه الخسائر. هذه الادعاءات، شأنها شأن كثير من التفاصيل التشغيلية في النزاع السوداني الجاري، ترد من طرف واحد في الصراع ولم تُقابلها ردود منشورة وقابلة للتحقق من الطرف الآخر، لذا تُنقل هنا بصيغة الإسناد لا التأكيد المطلق.
لماذا يهم هذا التطور العالم العربي والخليجي؟
تكتسب الواقعة أهمية تتجاوز مسرح العمليات السوداني لعدة أسباب. أولاً، بحسب تقارير غربية وأفريقية متعددة تناولت خطوط الإمداد في النزاع السوداني، فإن منظومات FK-2000 التي تشغّلها قوات الدعم السريع يُرجَّح أنها وصلت عبر سلاسل توريد مرتبطة بالإمارات العربية المتحدة، مع إشارة بعض التقارير – ومنها ما نقله موقع Defence Blog عن مصادر عسكرية سودانية – إلى مسار عبور عبر تشاد. وتنفي أبوظبي رسمياً تسليح أي طرف في النزاع السوداني، ولذلك تبقى هذه المزاعم في خانة الاتهامات الموثّقة إعلامياً لا الحقائق المؤكدة قضائياً أو رسمياً، وهو ما يستدعي التعامل معها بالحذر المنهجي اللازم في تغطية نزاع مسلح لا يزال مفتوحاً.
ثانياً، وبمعزل عن الجدل حول جهة التوريد، فإن الحادثة تمنح الجيوش والقوى الأمنية في المنطقة العربية والخليجية مؤشراً ميدانياً نادراً على أداء منظومة دفاع جوي صينية مدمجة (مدفع-صاروخ) في اشتباك حقيقي ضد ذخيرة تركية دقيقة موجّهة، في وقت تدرس فيه عدة دول عربية وخليجية خيارات متنوعة لأنظمة الدفاع الجوي قصير المدى من موردين صينيين وتركيين وغربيين. ثالثاً، يمثل الحادث نقطة بيانات إضافية لصالح صناعة الذخائر التركية الدقيقة، إذ يوثّق أول استخدام قتالي معروف لنسخة “MAM-L” الموجّهة بالتلفزيون خارج تركيا، وهو ما قد يُعزّز حجج الشركات التركية في عروضها التسويقية لعملاء إقليميين، وإن كان من المبكر البناء على حادثة واحدة استنتاجات معممة حول الفعالية القتالية الشاملة لهذه الذخيرة مقابل مختلف فئات الدفاع الجوي.
أنظمة مماثلة في المنطقة
لا تُعدّ FK-2000 المنظومة الصينية الوحيدة من فئتها المتداولة في أسواق الدفاع بالمنطقة؛ إذ تُصدّر الصين أيضاً منظومات مثل FM-90 (مشتقة من صاروخ HQ-7) وLD-2000 (نسخة مطوّرة من مدفع الدفاع القريب Type 730)، وهي أنظمة تجمع بدورها بين الصواريخ والمدافع أو تعتمد على المدافع الدوارة السريعة للدفاع القريب. وفي المقابل، تشمل الخيارات الغربية المنافسة في الشريحة نفسها منظومة “Skynex” الألمانية من راينميتال ومنظومات الدفاع الجوي قصيرة المدى القائمة على صواريخ “ستينغر” أو “ميسترال”، فيما استُخدمت المنظومة الروسية “بانتسير-S1” على نطاق واسع في ليبيا وسوريا كمثال مقارن على أداء منظومات الدفاع الجوي المدمجة ضد الطائرات المسيّرة والذخائر الموجهة في نزاعات غير متكافئة. تبقى المقارنة المباشرة بين هذه المنظومات محدودة الدقة في غياب اختبارات مستقلة وموحدة المعايير، لكن حوادث الاستخدام الفعلي مثل حادثة أم دبيبات توفر بيانات ميدانية تكمل الفجوة التي تتركها الاختبارات المخبرية والعروض التسويقية.
المصادر
- Military Africa – التقرير الأساسي حول تفاصيل الضربة على مرحلتين (الإطلاق ثم الرادار) واللقطات الصادرة عن سونا، وسياق الخسائر الجوية السودانية السابقة.
- Defence Blog – تأكيد تاريخ الحادثة (10 فبراير 2026)، المواصفات التقنية لمنظومة FK-2000، والإشارة إلى مزاعم مصادر عسكرية سودانية بشأن مسار توريد المنظومة عبر تشاد إلى قوات الدعم السريع.
- Türkiye Today – تفاصيل إضافية حول ذخيرة MAM-L ذات الرأس الباحث التلفزيوني ووصفها بأنها أول استخدام قتالي من نوعه لهذا التنويع خارج تركيا.
- Defence Security Asia – تحليل طبيعة الضربة كعملية قمع دفاعات جوية (SEAD/DEAD) ومسافة الاشتباك.
- Envanter Medya – خلفية تقنية تفصيلية عن ذخيرة MAM-L من روكيتسان، أوزانها ورؤوسها الحربية ومنصّاتها المتوافقة.