تقرير نيويورك تايمز: مقاتلات باكستانية تشارك في ضرب الحوثيين دعماً للسعودية.. وإسلام آباد تصفه بـ”المفبرك”
ذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، نقلاً عن مسؤول عسكري باكستاني رفيع لم تكشف عن اسمه، أن مقاتلات تابعة لسلاح الجو الباكستاني تشارك في ضربات جوية ضد مواقع الحوثيين في اليمن، في إطار دعم باكستان للهجوم الذي تسنده الرياض لاستعادة السيطرة على الساحل الغربي اليمني. وخلال ساعات من نشر التقرير مساء الخميس 8 أكتوبر 2026، أصدرت وزارة الإعلام الباكستانية نفياً قاطعاً وصفت فيه الخبر بأنه “مفبرك”، فيما اكتفى الناطق العسكري باسم الجيش بتأكيد وجود قوات باكستانية على الأراضي السعودية دون الخوض في طبيعة مهامها.
الواقعة تضع اتفاقية “مكة للدفاع المشترك” الثلاثية بين السعودية وباكستان وتركيا أمام أول اختبار عملي لمضمونها، بعد أسابيع من تفعيل بنودها إثر تصاعد هجمات الحوثيين على العمق السعودي.

ماذا ورد في تقرير نيويورك تايمز؟
نقلت الصحيفة الأمريكية عن مسؤول عسكري باكستاني، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته، أن مقاتلات تابعة لسلاح الجو الباكستاني تُستخدم في ضرب أهداف حوثية، في وقت تشن فيه القوات الحكومية اليمنية المدعومة بغطاء جوي سعودي عملية برية لاستعادة مناطق الساحل الغربي من قبضة الجماعة. وأورد التقرير أن مسؤولاً باكستانياً ثانياً وصف الدور المتوقع لإسلام آباد بأنه يتركز على الحد من تهديد الطائرات المسيّرة والصواريخ الحوثية عبر الإسناد الجوي، لا المشاركة في عملية برية داخل الأراضي اليمنية.
التقرير لم يحدد عدد الطائرات المشاركة، ولا الأهداف التي ضُربت فعلياً، ولا تاريخ بدء أي عمليات من هذا النوع، كما لم يوضح ما إذا كانت الطائرات تقصف من داخل الأجواء اليمنية أو من مواقع أخرى. ولم تعلّق وزارة الدفاع الباكستانية رسمياً حين اتصلت بها الصحيفة لطلب تعقيب.
نفي باكستاني سريع وحاسم
ردّت وزارة الإعلام والإذاعة الباكستانية على التقرير خلال ساعات، ووصفت ما ورد فيه بأنه “مزيف ومفبرك”، مؤكدة أن مقاتلات سلاح الجو الباكستاني لا تنفذ ضربات ضد أهداف حوثية. ودعت الوزارة وسائل الإعلام إلى “تجنّب التغطية التخمينية” بشأن طبيعة توظيف القوات الباكستانية بموجب اتفاقية مكة للدفاع المشترك، موضحة أن أي تفاصيل حول هذا التوظيف، إن استدعى الأمر الإفصاح عنها، ستصدر عن “الجهات المعنية” حصراً.
في المقابل، كان الموقف الذي عبّر عنه اللواء أحمد شريف چودري، رئيس قسم العلاقات العامة للجيش الباكستاني (ISPR)، أكثر تحفظاً من النفي الحكومي المباشر. فقد أكد چودري، في مقابلة مع شبكة CNN الأمريكية يوم الأربعاء 7 أكتوبر، أن قوات باكستانية موجودة بالفعل على الأراضي السعودية، لكنه رفض الكشف عن أعدادها أو قدراتها، واصفاً هذه التفاصيل بأنها “سرية”. وقال إن هذا الانتشار “لم يأتِ من فراغ”، وإن باكستان تحتفظ بوجود عسكري في المملكة منذ عقود، واصفاً التزام بلاده بأمن السعودية بأنه “مطلق”. وحين سُئل بشكل مباشر عما إذا كانت القوات الباكستانية ستعمل عبر الحدود داخل اليمن، لم يُجب بنعم أو لا، مكتفياً بالقول إن أي مشاركة باكستانية ستكون “ذات طابع دفاعي”، مضيفاً: “من يحمل أفكاراً طائشة تجاه طرف آخر، عليه أن يفكر مرتين أو ثلاثاً أو أكثر قبل الإقدام على ذلك”.
خلفية: كيف وصلنا إلى هذه النقطة؟
وقّعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية مكة للدفاع المشترك في 7 أغسطس 2026، بندها المحوري ينص على أن أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعامل كاعتداء عليها جميعاً، على غرار المادة الخامسة من ميثاق الناتو. ومع تصاعد الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية، فعّلت الدول الثلاث لأول مرة آلية الردع الجماعي المنصوص عليها في الاتفاقية، إذ عقدت اجتماعاً طارئاً في الرياض يوم الاثنين 5 أكتوبر وأصدرت بياناً مشتركاً أعلنت فيه الشروع الفوري في تنفيذ التزامات الدفاع الجماعي و”الانتشار السريع” للقوات والقدرات في السعودية.
هذا التحرك جاء في سياق عملية “فجر اليمن” التي أطلقتها القوات الحكومية اليمنية لاستعادة مواقع في باب المندب والساحل الغربي، مقابل موجة من الهجمات الحوثية التي طالت مطارات سعودية من بينها مطار الملك خالد الدولي بالرياض، ورد التحالف العربي بضربات واسعة استهدفت عشرات المواقع الحوثية في صعدة من بينها مخازن للصواريخ الباليستية. وفي خضم هذا التصعيد، حدد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان نطاق المساهمة التركية بأنها دفاع جوي وحرب إلكترونية ودعم فني، ونفى أي دور هجومي لتركيا، في وقت لا يزال فيه البرلمان التركي لم يُصادق بعد على الاتفاقية بشكل رسمي.
تجدر الإشارة إلى أن إسلام آباد كانت قد رفضت في عام 2015 إرسال قوات برية للمشاركة في الحملة السعودية الأولى ضد الحوثيين، إثر تصويت في البرلمان الباكستاني آنذاك رفض الانخراط المباشر في الحرب. هذا السياق التاريخي يجعل أي تورط باكستاني مباشر في عمليات قتالية داخل اليمن، سواء تأكد أو لم يتأكد، تطوراً يُنظر إليه كتحول سياسي لافت عن موقف إسلام آباد السابق.

كم عدد القوات الباكستانية في السعودية؟
قدّر العقيد المتقاعد ديفيد أو. سميث، الملحق العسكري الأمريكي السابق في باكستان والمحلل السابق في وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية (DIA)، في تصريح لصحيفة نيويورك تايمز، أن نحو 8000 جندي باكستاني انتشروا في السعودية، موضحاً أن هذا الرقم تقدير تحليلي وليس رقماً رسمياً مؤكداً، إذ لا يملك هو نفسه اطلاعاً على معلومات سرية بهذا الشأن. وبحسب تقديره، يضم هذا الوجود عناصر من سلاح الجو الباكستاني ووحدات دفاع جوي تابعة للجيش، يُرجَّح أن مهمتها الأساسية حماية منشآت نفطية حيوية أكثر من كونها دوراً قتالياً مباشراً.
لم تصدر الرياض ولا إسلام آباد حتى الآن أي رقم رسمي حول حجم القوات المنتشرة أو تفاصيل تسليحها، وهو ما يترك الباب مفتوحاً أمام تقديرات متباينة من جهات تحليلية مختلفة.
ما هي مقاتلة JF-17 Thunder؟
الـ JF-17 Thunder مقاتلة خفيفة متعددة المهام أحادية المحرك، طُوّرت بشراكة صناعية بين مجمع الطيران الباكستاني (PAC) في كامرا وشركة Chengdu الصينية لصناعة الطائرات، ودخلت الخدمة في سلاح الجو الباكستاني عام 2007. وتعمل الطائرة بمحرك روسي الصنع من طراز Klimov RD-93.
الجيل الأحدث منها، JF-17 Block III، الذي دخل الخدمة التشغيلية في سلاح الجو الباكستاني مطلع 2023، يحمل رادار KLJ-7A بتقنية المصفوفة الممسوحة إلكترونياً النشطة (AESA)، ومنظومة حرب إلكترونية محسّنة، ونظام تحكم رقمي بالطيران من نوع Fly-by-Wire، ويمكن تسليحه بصواريخ جو-جو قصيرة المدى من طراز PL-10E وأخرى بعيدة المدى موجهة بالرادار من طراز PL-15. وتُعد أذربيجان أكبر زبون تصديري للمقاتلة حتى الآن، بعقد تجاوزت قيمته 4.6 مليار دولار لتوريد نحو 40 طائرة من طراز Block III، إلى جانب عمليات تصدير سابقة إلى ميانمار ونيجيريا، وصفقة أخرى مع دولة لم تُكشف هويتها أُعلن عنها في معرض دبي للطيران 2025.
مناخ معلوماتي مشحون بادعاءات متضاربة
التقرير المتعلق بمشاركة مقاتلات باكستانية في ضرب الحوثيين ليس الادعاء الوحيد الذي واجهته إسلام آباد هذا الأسبوع. فقد انتشرت في الموازاة منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي زعمت أن صواريخ حوثية أصابت قاعدة جوية سعودية وألحقت أضراراً بثلاث مقاتلات JF-17 باكستانية متمركزة فيها. ونفت وزارة الإعلام الباكستانية هذا الادعاء المنفصل أيضاً، ووصفته بأنه “مفبرك بالكامل”، محمّلة المسؤولية لحسابات على منصات التواصل الاجتماعي اتهمتها بالترويج لـ”دعاية هندية”. ويشير هذا التزامن إلى أن الوجود العسكري الباكستاني في السعودية بات هدفاً لحرب معلومات نشطة، تتطلب من أي تغطية إخبارية جدية مزيداً من الحذر في التعامل مع الادعاءات غير المؤكدة من الطرفين.
ولم يصدر حتى الآن تأكيد رسمي مستقل، من الرياض أو من أي جهة ثالثة محايدة، يحسم ما إذا كانت مقاتلات باكستانية تشارك فعلياً في عمليات قتالية داخل اليمن أو لا.
لماذا يهم هذا التطور العالم العربي؟
ما يجري الآن هو أول اختبار عملي لحلف أمني عربي-آسيوي وُلد من رحم التصعيد الإقليمي بعد حرب إيران في فبراير 2026، وليس مجرد بيان سياسي. فالفارق بين الموقفين التركي والباكستاني، كما ظهر هذا الأسبوع، يكشف تبايناً مهماً في طريقة تفعيل الاتفاقية: أنقرة حصرت مساهمتها علناً وبشكل واضح في الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والدعم الفني، بانتظار مصادقة برلمانية لم تكتمل بعد، بينما يبدو الوجود الباكستاني أكثر رسوخاً وأقل شفافية، مستنداً إلى عقود من التعاون العسكري الثنائي السابق على الاتفاقية نفسها.
بالنسبة لدول الخليج الأخرى التي تتابع تجربة حلف مكة عن كثب، هذا التفاوت يطرح أسئلة عملية: هل ستتحول الاتفاقية إلى إطار تشغيلي موحد بقواعد اشتباك واضحة، أم ستبقى مجموعة ترتيبات ثنائية متفاوتة المستوى تُدار حالة بحالة؟ وما مدى استعداد شركاء الرياض الإقليميين لتحمل كلفة سياسية داخلية، كما حدث سابقاً حين رفض البرلمان الباكستاني عام 2015 التدخل المباشر، إذا تطور الأمر إلى مواجهة برية مباشرة مع الحوثيين؟ الإجابات على هذه الأسئلة ستحدد إلى حد بعيد شكل منظومة الأمن الجماعي في الخليج خلال السنوات المقبلة، خصوصاً مع استمرار الحوثيين في استهداف العمق السعودي وخطوط الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز.
أسئلة شائعة
هل تأكد رسمياً أن مقاتلات باكستانية تضرب الحوثيين؟
لا. الادعاء مصدره مسؤول عسكري باكستاني واحد لم يُكشف عن اسمه، نقلته نيويورك تايمز، ونفته وزارة الإعلام الباكستانية رسمياً ووصفته بـ”المفبرك”. لم تؤكد الرياض ولا أي مصدر مستقل ثالث الرواية حتى لحظة نشر هذا التقرير.
ما هي اتفاقية مكة للدفاع المشترك؟
اتفاقية دفاع جماعي ثلاثية وقّعتها السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس 2026، تنص على أن أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد اعتداءً على الجميع، على غرار بند الدفاع المشترك في حلف الناتو.
كم عدد الجنود الباكستانيين في السعودية حالياً؟
لا يوجد رقم رسمي معلن. التقدير الوحيد المتداول، نحو 8000 جندي، صادر عن محلل أمريكي سابق متخصص في الشأن الباكستاني وليس عن مصدر حكومي.
هل شاركت تركيا بدور قتالي في اليمن؟
لا، بحسب تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الذي حصر الدور التركي المحتمل في الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والدعم الفني، ونفى أي مشاركة هجومية أو إرسال قوات لتنفيذ عمليات داخل أراضي دولة أخرى.
ما الفرق بين JF-17 Block I/II و Block III؟
يتميز الجيل Block III برادار AESA من طراز KLJ-7A ونظام حرب إلكترونية محسّن وقدرة على حمل صواريخ جو-جو بعيدة المدى من طراز PL-15، وهي قدرات غير متوفرة في الأجيال الأقدم من الطائرة.
المصادر
- ThePrint – نص تقرير نيويورك تايمز، ونفي وزارة الإعلام الباكستانية، وتصريحات اللواء أحمد شريف چودري لشبكة CNN.
- Arab News Pakistan – نفي إسلام آباد للادعاء المنفصل بشأن إصابة مقاتلات JF-17 بصواريخ حوثية.
- ديفنس أرابيا – تغطية سابقة لتفعيل آلية الردع الجماعي في حلف مكة.
- ديفنس أرابيا – تصريحات وزير الخارجية التركي حول نطاق الدعم العسكري التركي للسعودية.