ما هو سلاح الليزر المضاد للمسيّرات؟ وكيف يختلف عن الاعتراض الحركي؟
سلاح الليزر المضاد للمسيّرات هو منظومة دفاع جوي تستخدم شعاعاً مركّزاً من الضوء عالي الطاقة، بدلاً من صاروخ أو قذيفة، لإسقاط الطائرات المسيّرة الصغيرة والقذائف القريبة. يتتبّع النظام الهدف بمستشعرات كهروبصرية دقيقة، ثم يُثبّت الشعاع على نقطة واحدة فيه — محرك أو كاميرا أو جسم القيادة — حتى تذوب المادة أو تحترق هياكله الداخلية، فيسقط الهدف أو يتعطل. يختلف هذا عن الاعتراض الحركي (صاروخ أو مدفع) في أن الذخيرة هنا طاقة كهربائية لا قطعة معدنية: لا تنفد ما بقيت الكهرباء متوفرة، وكلفة الطلقة تُقاس بالدولارات لا بعشرات آلافها. لكن الليزر ليس حلاً سحرياً؛ فعله يعتمد على خط رؤية مباشر وعلى صفاء الجو، وقدرته محدودة بحجم المصدر وبمقدار الحرارة التي يمكن تبريدها، ولذلك يُستخدم اليوم طبقة إضافية في الدفاع الجوي القصير المدى لا بديلاً عنه.
ما هو سلاح الليزر المضاد للمسيّرات؟
المصطلح الأشمل هو «سلاح الطاقة الموجّهة» (Directed-Energy Weapon، اختصاراً DEW)، وهو كل سلاح يُلحق الضرر بتوجيه طاقة مركّزة — ضوء ليزر أو موجات ميكروويف عالية القدرة — إلى الهدف، بدل دفع كتلة معدنية نحوه. الليزر هو الفرع الأكثر انتشاراً من هذه العائلة في مهمة الدفاع الجوي القصير المدى ومواجهة المسيّرات، لأن حزمته ضيقة جداً فتستطيع التركيز على نقطة واحدة في جسم صغير سريع، وهذا ما تحتاجه مواجهة مسيّرة من طراز FPV لا يتجاوز قطرها نصف متر.
الفكرة ليست جديدة: جُرّبت أسلحة الليزر العسكرية منذ السبعينيات، لكنها بقيت لعقود حبيسة المختبرات بسبب ضخامة مصادر الطاقة ومحدودية قدرتها. ما غيّر الصورة في العقد الأخير هو انتشار الليزر الليفي (Fiber Laser) الصناعي، الذي يُركّب من وحدات صغيرة قابلة للتكديس للوصول إلى قدرة أعلى، إلى جانب انفجار أعداد المسيّرات الرخيصة على الجبهات الحديثة، التي جعلت كلفة الاعتراض الصاروخي التقليدي لكل هدف صغير غير مجدية اقتصادياً.
كيف يعمل سلاح الليزر؟
تمرّ عملية الإسقاط بثلاث مراحل متتالية. أولاً، الكشف والتتبّع: رادار أو مستشعر كهروبصري (EO/IR) يحدّد الهدف ويقدّم مساره للحاسوب الموجِّه، الذي يحسب نقطة التصويب ويُبقي الشعاع مثبّتاً عليها رغم حركة الهدف واضطراب المنصة الحاملة. ثانياً، التحكم بالشعاع: مرايا وعدسات تكيّفية (Adaptive Optics) تُصحّح انحراف الشعاع الناتج عن اضطراب الهواء، وتعالج ظاهرة «الانتفاخ الحراري» (Thermal Blooming)، وهي أن الهواء نفسه يسخن على طول مسار الشعاع فينحرف نحو الهواء الأبرد الأكثر كثافة ويتبدّد، فتقل كثافة الطاقة الواصلة إلى الهدف؛ وتزداد هذه الظاهرة في الجو الرطب أو المشبع بالغبار. ثالثاً، الإتلاف الحراري: الشعاع يُركّز طاقته على بقعة ثابتة بضع ثوانٍ — غالباً جزء حساس كالمحرك أو الكاميرا أو رأس التوجيه — حتى تذوب المادة أو تشتعل الدائرة الكهربائية، فيفقد الهدف القدرة على الطيران أو التوجيه.
قدرة المصدر، المقاسة بالكيلوواط، هي العامل الحاسم في زمن الإسقاط والمدى. الأنظمة الخفيفة بقدرة 2 إلى 10 كيلوواط تحتاج عدة ثوانٍ لإسقاط مسيّرة صغيرة على مسافة أقل من كيلومترين، بينما الأنظمة الأثقل بقدرة 50 إلى 100 كيلوواط، مثل منظومات الجيش والبحرية الأمريكيين، تقصّر زمن التأثير وتوسّع المدى، وتقترب من إمكانية التعامل مع أهداف أكبر كقذائف الهاون. ولأن كل هذه الأنظمة تعمل على خط رؤية مباشر بلا انحناء، فإن عائقاً واحداً — تل أو مبنى أو غيمة غبار كثيفة — يكفي لحماية الهدف منها تماماً.
لماذا يظهر هذا السلاح بقوة الآن؟
الدافع الأول اقتصادي صرف. اعتراض مسيّرة رخيصة بصاروخ دفاع جوي يكلّف عشرات آلاف الدولارات وقد يتجاوز كلفة المسيّرة نفسها بمئات المرات، وهي معادلة غير مستدامة أمام هجوم أسراب المسيّرات الذي يعتمد أصلاً على إنهاك خصمه بكثرة الأهداف الرخيصة لا بقدرة كل واحدة منها. طلقة الليزر، في المقابل، كهرباء بكلفة دولارات قليلة، ومخزونها لا ينفد ما دام المولّد يعمل، وهذا ما يجعلها، نظرياً، الرد الاقتصادي الطبيعي على التهديد الرخيص.
الدافع الثاني هو نضوج التقنية نفسها. تحسّن الليزر الليفي الصناعي ومنظومات التحكم بالشعاع بما يكفي لإخراج أنظمة ميدانية فعلية من المختبر، في حين أن مواجهة طائرات FPV والذخائر الرخيصة صار يحتاج طبقة تكميلية إلى جانب المدافع والشباك والتشويش الإلكتروني، لا بديلاً واحداً لها جميعاً.
الليزر مقابل الميكروويف عالي القدرة
سلاح الطاقة الموجّهة ليس بالضرورة ليزراً؛ الفرع الآخر هو سلاح الميكروويف عالي القدرة (High-Power Microwave، اختصاراً HPM)، الذي يبثّ موجة راديوية مركّزة تُحرق الدوائر الكهربائية الداخلية للهدف بدل إذابة هيكله. ميزة الميكروويف أنه لا يحتاج تصويباً دقيقاً على نقطة واحدة، فيمكنه إتلاف عدة مسيّرات ضمن مخروط إشعاعه دفعة واحدة، وهذا ما يجعله مرشحاً أقوى لمواجهة أسراب المسيّرات الكثيفة؛ لكن مداه أقصر عموماً من مدى الليزر، وتأثيره قد يمتد عرضياً إلى أجهزة صديقة قريبة. الليزر، في المقابل، أدق توجيهاً وأطول مدى لكنه يصيب هدفاً واحداً في كل مرة. المنظومات الحديثة، كمنصة «إيجدرها» (Ejderha) التركية، تجمع الميكروويف إلى جانب الليزر والتشويش الإلكتروني في طبقة دفاع واحدة متكاملة.
الفرق عن الاعتراض الحركي
الدفاع الجوي القصير المدى يجمع اليوم بين ثلاث عائلات وسائل: المدافع والرشاشات، والصواريخ القصيرة المدى من طراز SHORAD، وأسلحة الطاقة الموجّهة. الفرق الجوهري بينها ليس في «الفعالية» المطلقة بل في ميزان الكلفة والمدى والظروف الجوية، كما يوضح الجدول التالي.
| المعيار | سلاح الليزر | صاروخ SHORAD | مدفع/رشاش موجَّه |
|---|---|---|---|
| كلفة الطلقة | دولارات قليلة (كهرباء) | عشرات آلاف الدولارات فأكثر | دولارات إلى عشرات الدولارات |
| المخزون | غير محدود عملياً ما توفرت الكهرباء | محدود بعدد الصواريخ المحمولة | محدود بعدد الذخيرة |
| زمن الإسقاط | ثوانٍ قليلة (يعتمد على القدرة) | لحظي تقريباً عند الإصابة | لحظي تقريباً عند الإصابة |
| تأثر الأداء بالجو | مرتفع (غبار/ضباب/مطر يضعفه) | منخفض | منخفض إلى متوسط |
| المدى المعتاد | أقل من كيلومترين عادة، وبعض الأنظمة الثقيلة إلى نحو 10 كم | بضع كيلومترات إلى أكثر من 10 كم | أقل من كيلومتر إلى بضعة كيلومترات |
| الأهداف المناسبة | مسيّرات صغيرة وقذائف هاون وصواريخ قصيرة جداً | مسيّرات وطائرات ومروحيات وصواريخ كروز | مسيّرات صغيرة وقذائف قريبة |
من هنا يتضح أن الليزر لا ينافس منظومات C-UAS الشاملة بل يدخل ضمنها كطبقة إضافية رخيصة التشغيل، تُضاف إلى الرادار والتشويش والمدافع لا لتحلّ محلها.
أمثلة من العالم
- DE M-SHORAD الأمريكي: ليزر بقدرة 50 كيلوواط مركّب على ناقلة Stryker مدرّعة، ضمن مظلة الدفاع الجوي القصير المدى للجيش الأمريكي.
- HELIOS البحري الأمريكي: منظومة ليزر بقدرة 60 كيلوواط مثبّتة على مدمرات من فئة Arleigh Burke، نجحت في تجارب حية بإسقاط عدة مسيّرات.
- Sahastra Shakti Mk-II الهندي: منظومة بقدرة إجمالية 30 كيلوواط من ست وحدات ليزر، صُمّمت لمواجهة المسيّرات وأسرابها وحتى المروحيات ضمن مدى نحو 5 كيلومترات.
- شعاع الحديد (Iron Beam) الإسرائيلي: أعلى الأنظمة قدرة علناً بين الفئات التشغيلية (نحو 100 كيلوواط)، وسُلّم رسمياً لسلاح الجو الإسرائيلي أواخر 2025 ضمن طبقة الدفاع الجوي الإسرائيلي المتعدد. للتفصيل الكامل عن أداء هذا النظام وتكلفته وحدوده، يمكن الرجوع إلى مقالنا عن شعاع الحديد.
أمثلة في الدول العربية
نشرت السعودية منظومة «الصياد الصامت» (Silent Hunter)، سلاح ليزر صيني الصنع من شركة Poly Technologies بقدرة تُقدَّر بين 30 و100 كيلوواط، لمواجهة مسيّرات وذخائر جوّالة حوثية انطلاقاً من عام 2022. وأظهرت تقارير لاحقة أن أداء المنظومة في الظروف الصحراوية الحارة والمشبعة بالغبار كان دون التوقعات في بعض الحالات، ما دفع الجهات السعودية إلى طلب تعديلات من الشركة الصينية المصنّعة لتحسين تحمّلها الحراري والبيئي؛ وهي ملاحظة تؤكد أن الغبار والحرارة الشديدة من أكبر التحديات العملية لهذه الفئة من الأسلحة في بيئة الخليج والصحراء العربية عموماً. وأشارت تقارير أخرى، أقل توثيقاً، إلى استخدام محتمل للمنظومة نفسها في الإمارات، دون تأكيد رسمي مباشر من أبوظبي.
أمثلة من الصناعات الدفاعية التركية
طوّرت شركة ASELSAN التركية منظومة GÖKBERK، سلاح ليزر متحرك مركّب على منصة 6×6 بقدرة تصل إلى 10 كيلوواط ومدى تركيز يتراوح بين 150 متراً و2 كيلومتر، يجمع بين الإسقاط الحراري المباشر بالليزر والتشويش الإلكتروني كخيار تكميلي ضمن منظومة الكشف والتتبع «إحتار» (İHTAR)؛ واختُبر بنجاح ضد مسيّرات FPV، وعُرض في مناورة ميدانية في أنقرة إلى جانب منظومة الميكروويف عالي القدرة «إيجدرها» (Ejderha) ضمن مشروع الدفاع الجوي الوطني «القبة الفولاذية» (Çelik Kubbe)، ويُستهدف به حماية المنشآت الحيوية كالقواعد العسكرية والمطارات ومحطات الطاقة.
وفي موازاة ذلك، طوّرت ROKETSAN منظومة ALKA، وهي سلاح هجين يجمع التشويش الكهرومغناطيسي إلى جانب شعاع ليزر رفعت الشركة قدرته تدريجياً عبر مراحل التطوير المتعاقبة، وتُعدّ طبقة الدفاع الأخيرة ضمن «القبة الفولاذية» أيضاً، مع استمرار العمل على رفع قدرتها. ولقراءة ملف تقني أوسع عن هذه المنظومة ومكوناتها، يمكن الاطلاع على الملف الذي نشرته Envanter Medya.
الفرق عن المصطلحات المشابهة
- ليس كل C-UAS ليزراً. منظومة C-UAS مصطلح شامل لكل وسائل مواجهة المسيّرات، من الكشف إلى التشويش إلى الاعتراض الحركي؛ الليزر وسيلة واحدة ضمنها، لا مرادف لها.
- الليزر ليس تشويشاً إلكترونياً. التشويش الإلكتروني (ECM) يعطّل اتصال المسيّرة أو ملاحتها بإشارة راديوية، أي يقطع «العقل» عن «الجسد»، بينما الليزر يُلحق الضرر الفيزيائي المباشر بجسم الهدف بصرف النظر عن اتصاله.
- الليزر ليس MANPADS محمولاً. منظومات MANPADS صواريخ كتف تحمل رأساً متفجراً وتُستهلك بالاستخدام، في حين أن الليزر مصدر طاقة ثابت أو مركّب على منصة، ويُعاد استخدامه فوراً بلا حاجة لإعادة تسليح.
المزايا والحدود
المزايا ثلاث رئيسية: كلفة الطلقة الزهيدة جداً مقارنة بأي صاروخ اعتراضي؛ ومخزون شبه غير محدود ما دامت الكهرباء متاحة، بلا حاجة لتجديد الذخيرة بعد كل مواجهة؛ ودقة تصويب لا تُلحق ضرراً جانبياً واسعاً كالشظايا الناتجة عن الاعتراض الصاروخي فوق مناطق مسكونة.
الحدود ثلاثة أيضاً: الحاجة إلى خط رؤية مباشر صافٍ، فالغبار والضباب والمطر الكثيف يُضعف الطاقة الواصلة إلى الهدف بفعل الانتفاخ الحراري والتشتت الجوي؛ وقيود القدرة والتبريد، فزيادة الكيلوواط تتطلب مولّدات أضخم ونظم تبريد أثقل، وهذا يحدّ من حجم الأهداف التي يمكن مواجهتها بأنظمة اليوم؛ وهدف واحد في كل مرة (خلافاً لسلاح الميكروويف)، وهو ما يجعل الليزر وحده عاجزاً عن حسم مواجهة سرب مسيّرات كثيف دفعة واحدة، فيبقى حاجة إلى طبقات مكمّلة من المدافع والصواريخ والتشويش.
الأسئلة الشائعة
المصادر
- منظمة الناتو للعلوم والتقنية (NATO STO) — الملاحظات التقنية حول انتشار الليزر في الغلاف الجوي
- Rafael Advanced Defense Systems — منظومة شعاع الحديد (Iron Beam)
- ASELSAN — منظومة GÖKBERK لليزر المضاد للمسيّرات
- ROKETSAN — منظومة ALKA للطاقة الموجّهة
- RAND Corporation — تقييمات جاهزية أسلحة الطاقة الموجّهة لساحات القتال الحديثة
- Naval Postgraduate School — دراسات مواجهة أسلحة الطاقة الموجّهة وحماية المسيّرات منها
- البحرية الأمريكية — تجارب منظومة HELIOS الليزرية
هذا المقال جزء من موسوعة المصطلحات الدفاعية على Defence Arabia، التي تشرح أبرز المصطلحات والتقنيات العسكرية بلغة عربية واضحة ومصادر معلنة.