السعودية تحصل على موافقة أمريكية لشراء 48 مقاتلة F-35 بصفقة 24.3 مليار دولار
وافقت وزارة الخارجية الأمريكية على صفقة محتملة لبيع 48 مقاتلة شبحية من طراز F-35A لايتنينغ II إلى المملكة العربية السعودية، في صفقة تُقدَّر قيمتها الإجمالية بنحو 24.3 مليار دولار. وأخطرت وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأمريكية (DSCA) الكونغرس رسمياً بالصفقة يوم 17 سبتمبر 2026 تحت الرقم الإحالي 26-69، لتصبح السعودية أول دولة عربية تحصل على ضوء أخضر أمريكي لامتلاك هذه المقاتلة، في خطوة تكسر احتكار إسرائيل الإقليمي لطائرات الجيل الخامس منذ دخولها الخدمة قبل نحو عقد.
ولا تزال الصفقة بحاجة إلى تجاوز مهلة المراجعة البرلمانية التي يملك خلالها الكونغرس 30 يوماً لإبداء اعتراض قد يُعطّل تنفيذها، وسط انقسام داخل واشنطن بين مؤيدين لتعزيز التحالف مع الرياض ومشرّعين يحذّرون من مخاطر تسرّب تقنيات حساسة إلى الصين.
تفاصيل الصفقة الرسمية
بحسب البيان الصادر عن مكتب الشؤون السياسية العسكرية بوزارة الخارجية الأمريكية، طلبت المملكة العربية السعودية شراء 48 مقاتلة F-35 لايتنينغ II بنسخة الإقلاع والهبوط التقليديين (F-35A)، إلى جانب 49 محركاً من طراز Pratt & Whitney F135-PW-100 (48 محركاً مُركَّباً ومحرك احتياطي واحد). وتشمل الحزمة معدات تشفير، وأنظمة دعم للحرب الإلكترونية، وأجهزة محاكاة للتدريب، وقطع غيار، ووثائق فنية، وبرامج تدريب لطياري وفنيي الصيانة السعوديين، إضافة إلى خدمات لوجستية تقدّمها الحكومة الأمريكية.
الجهات المُصنِّعة الرئيسية هي Lockheed Martin Aeronautics (فورت وورث، تكساس) لهيكل الطائرة، وPratt & Whitney Military Engines (إيست هارتفورد، كونيتيكت) للمحركات. ولم يُفصح البيان الرسمي عن تفاصيل الذخائر أو الأسلحة الموجَّهة التي قد تُضمّ إلى الصفقة في مراحل لاحقة.
وذكرت وكالة بلومبرغ رقماً مقارباً بلغ 24.5 مليار دولار في تغطيتها للخبر، وهو فارق طفيف يعود على الأرجح إلى اختلاف طريقة احتساب بنود الدعم اللوجستي؛ فيما اعتمدت المصادر الرسمية والمواقع المتخصصة رقم 24.3 مليار دولار المذكور في إخطار الكونغرس. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الرقم يمثّل قيمة الحزمة الكاملة شاملةً المحركات وأنظمة الحرب الإلكترونية والتدريب والدعم اللوجستي، وليس سعر الطائرة الواحدة فقط.

مبررات واشنطن ورسالة اطمئنان لإسرائيل
برّرت وزارة الخارجية الأمريكية موافقتها بأن الصفقة “تخدم أهداف السياسة الخارجية والأمن القومي للولايات المتحدة عبر تحسين أمن حليف رئيسي من خارج حلف الناتو يشكّل قوة استقرار سياسي وتقدّم اقتصادي في منطقة الخليج”، بحسب نص البيان الرسمي. كما تضمّن الإخطار عبارة معتادة في صفقات التسلّح الأمريكية للمنطقة، تؤكد أن “بيع هذه المعدات والدعم لن يُخلّ بالتوازن العسكري في المنطقة” — في إشارة مباشرة إلى التزام واشنطن القانوني بموجب تعديل عام 2008 لقانون مراقبة تصدير الأسلحة، الذي يُلزمها بالحفاظ على “التفوق النوعي العسكري” الإسرائيلي عند الموافقة على أي صفقة سلاح متقدم لدول الشرق الأوسط.
من جانبها، قالت شركة لوكهيد مارتن في بيان إن “الاتفاق الحكومي بين البلدين لتزويد السعودية بمقاتلات F-35 يجسّد التزامنا المشترك بالأمن الدائم والاستقرار والتعاون طويل الأمد”، دون أن تُحدّد الشركة جدولاً زمنياً للتسليم.
مخاوف في الكونغرس من تسرّب تقني إلى الصين
واجهت الصفقة اعتراضات مبكرة من عدد من أعضاء الكونغرس عقب تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز، أفاد بأن أجهزة استخبارات أمريكية — من بينها وكالة الاستخبارات الدفاعية (DIA) — حذّرت من أن توسّع العلاقات الأمنية والرقمية الصينية-السعودية قد يفتح ثغرة تُمكّن بكين من الوصول إلى تقنيات حساسة في مقاتلة F-35. وقال النائب الديمقراطي راجا كريشنامورثي، عضو لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، إن “إدارة ترامب لا ينبغي أن تمضي في صفقة بيع مقاتلات F-35 للسعودية في وقت تُحذّر فيه أجهزتنا الاستخباراتية من احتمال وصول أثمن التقنيات العسكرية الأمريكية إلى متناول الحزب الشيوعي الصيني”، في تصريح شاركه معه نائبان ديمقراطيان آخران. ولم يتّضح بعد ما إذا كانت هذه الاعتراضات كافية لعرقلة الصفقة خلال مهلة المراجعة البالغة 30 يوماً.

ما هي مقاتلة F-35A؟
الـF-35A هي النسخة “التقليدية” من عائلة F-35 لايتنينغ II التي تُنتجها لوكهيد مارتن، وتُقلع وتهبط من مدارج عادية على عكس نسختَي B (الإقلاع القصير والهبوط العمودي، المخصصة لسلاح مشاة البحرية الأمريكي وحاملات الطائرات الخفيفة) وC (نسخة حاملات الطائرات التقليدية التابعة للبحرية الأمريكية). وتُصنَّف ضمن مقاتلات الجيل الخامس بفضل جمعها بين خفاء الرصد الراداري، وأجهزة استشعار متكاملة توفّر صورة قتالية شاملة للطيار، وقدرة على مشاركة البيانات في الزمن الحقيقي مع منصات أخرى. ويعتمد سلاح الجو الملكي السعودي حالياً على أسطول من مقاتلات Boeing F-15SA وTyphoon الأوروبية المشتركة، وهي مقاتلات من الجيل الرابع المتقدم دون قدرات التخفّي التي توفّرها F-35.
خلفية الصفقة: لماذا الآن؟
تأتي الموافقة استكمالاً لاتفاقية الدفاع الاستراتيجي التي وقّعتها واشنطن والرياض في نوفمبر 2025، والتي تعهّد فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفتح الباب أمام بيع F-35 للسعودية بعد سنوات من التردد الأمريكي المرتبط بشروط “التفوق النوعي” الإسرائيلي. وتتزامن الخطوة مع ضغط سعودي متصاعد على واشنطن لتوفير دعم عسكري أكبر في مواجهة تصعيد جماعة الحوثي، بعدما طلب ولي العهد الأمير محمد بن سلمان — بحسب تقارير أمريكية — ضربات جوية أمريكية مباشرة ضد الحوثيين مرتين، ورفضهما ترامب، مكتفياً بالتنسيق عبر القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) وتصريحات دبلوماسية، إلى جانب طرح صفقة F-35 كإشارة دعم بديلة.
وقد سبق أن تقدّمت الرياض بطلبات دعم من فرنسا وبريطانيا وباكستان ومصر مع تراجع مخزون صواريخ الاعتراض لديها أمام وتيرة هجمات الحوثيين المتصاعدة، وذلك في الأسابيع التي سبقت الإعلان عن صفقة F-35، وهو ما يعكس محاولة سعودية لتنويع مصادر الدعم العسكري في آنٍ واحد مع تعميق الشراكة التقليدية مع واشنطن.
ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟
تُعدّ هذه الصفقة، إذا أُتمّت، نقطة تحوّل في موازين القوة الجوية بالخليج والشرق الأوسط. فحتى الآن، ظلّت إسرائيل الدولة الوحيدة في المنطقة المُشغِّلة لمقاتلات F-35، وهو ما شكّل عنصراً أساسياً في تفوّقها الجوي النوعي. وسماح واشنطن للسعودية بامتلاك الطائرة نفسها — ولو مع فارق في عدد الطائرات ومستوى التسليح والتقنيات المُرفقة — يعني عملياً أن الرياض ستصبح ثاني قوة جوية في الشرق الأوسط تمتلك مقاتلات شبحية، بعد أن ظلّت لعقود تعتمد على أساطيل الجيل الرابع من F-15 وتايفون.
وتكتسب الصفقة أهمية مضاعفة في ظل الظروف الراهنة، حيث يخوض سلاح الجو الملكي السعودي مواجهات مكلفة فوق الأراضي اليمنية، تضمّنت إعلان الحوثيين إسقاط مقاتلة F-15 سعودية فوق مأرب منتصف سبتمبر الجاري دون تأكيد رسمي من الرياض حتى الآن. وفي هذا السياق، يُنظر إلى صفقة F-35 باعتبارها استثماراً سعودياً طويل المدى في تحديث سلاح الجو، لا استجابة فورية للتصعيد الحالي في اليمن الذي تتطلّب مواجهته أساساً منظومات دفاع جوي وصواريخ اعتراض أكثر من مقاتلات متعددة المهام.
كما تفتح الصفقة الباب أمام تساؤلات حول موقف دول خليجية أخرى، وعلى رأسها الإمارات وقطر، اللتين أبدتا اهتماماً سابقاً بامتلاك F-35 دون أن تُترجما ذلك إلى صفقات فعلية حتى الآن، ما يجعل من التجربة السعودية اختباراً لمدى استعداد واشنطن لتوسيع دائرة الدول العربية المُشغِّلة للمقاتلة الشبحية.
صفقة الإمارات المجمّدة نموذجاً للمقارنة
تُقدّم تجربة الإمارات سابقة تحذيرية لما قد تواجهه صفقة السعودية. فقد وافقت الإدارة الأمريكية على بيع 50 مقاتلة F-35 للإمارات بقيمة 23 مليار دولار عام 2020 عقب توقيع اتفاقيات أبراهام، لكن أبوظبي علّقت المفاوضات بنفسها في ديسمبر 2021 احتجاجاً على قيود أمريكية مرتبطة باستخدامها تقنية هواوي للجيل الخامس من الاتصالات، ومخاوف من تجسّس صيني محتمل. ومنذ ذلك الحين، لم تُستأنف المفاوضات، واتّجهت الإمارات بدلاً من ذلك إلى تنويع مصادر تسليحها الجوي عبر التعاقد على 80 مقاتلة Rafale فرنسية، مع تقارير عن اهتمام إماراتي بمقاتلة KF-21 Boramae الكورية الجنوبية كخيار بديل للجيل الخامس. أما قطر، فقد أبدت اهتماماً بامتلاك F-35 دون أن تتضح ملامح صفقة فعلية حتى تاريخه.
ويُظهر هذا التباين أن حصول أي دولة عربية على F-35 لا يتوقف فقط على الموافقة السياسية الأمريكية، بل يرتبط أيضاً بمدى استعداد الدولة المشترية للقبول بقيود أمنية وتقنية صارمة، خصوصاً ما يتعلق بعلاقاتها مع الصين — وهو الملف نفسه الذي يُثير حالياً تحفظات في الكونغرس بشأن الصفقة السعودية.
صفقات تصدير F-35 الحديثة: مقارنة
الجدول التالي يقارن القيمة الإجمالية لأحدث حزم تصدير F-35 المُعلنة، مع التنويه بأن هذه الأرقام تمثّل قيمة الحزمة الكاملة (طائرات + محركات + تدريب + دعم لوجستي)، وليست سعراً موحّداً للطائرة الواحدة، لاختلاف حجم ونوع البنود المُرفقة بين حزمة وأخرى.
| الدولة | عدد الطائرات | القيمة الإجمالية للحزمة | سنة الإخطار |
|---|---|---|---|
| السعودية | 48 | 24.3 مليار دولار | 2026 |
| اليونان | 42 | 8.6 مليار دولار | سابقة |
| ألمانيا | 35 | 8.4 مليار دولار | سابقة |
المصدر: بيانات وزارة الخارجية الأمريكية وتقارير The Aviationist وBreaking Defense. الفارق الكبير في قيمة الحزمة السعودية يعود جزئياً إلى شمولها عدداً أكبر من أنظمة الدعم والتدريب والخدمات اللوجستية، إضافة إلى محرك احتياطي إضافي.
أسئلة شائعة
هل تمّت الصفقة فعلياً أم أنها لا تزال مجرد موافقة مبدئية؟
حتى الآن، ما صدر هو إخطار رسمي للكونغرس بموافقة وزارة الخارجية على “بيع محتمل”، وهي خطوة إجرائية تسبق أي عقد نهائي. ويملك الكونغرس 30 يوماً لمراجعة الصفقة والاعتراض عليها قبل أن تدخل حيّز التفاوض على العقد التجاري النهائي بين الرياض وشركة لوكهيد مارتن.
متى ستصل أول دفعة من المقاتلات إلى السعودية؟
لم يُعلن أي جدول زمني رسمي للتسليم حتى نشر هذا التقرير. وتشير تجارب دول أخرى إلى أن الفترة الفاصلة بين توقيع العقد النهائي والتسليم الفعلي عادة ما تمتد لعدة سنوات، نظراً لطول قوائم الانتظار في خطوط إنتاج لوكهيد مارتن.
لماذا تشترط واشنطن عدم الإخلال بالتفوق النوعي الإسرائيلي؟
يُلزم تعديل عام 2008 لقانون مراقبة تصدير الأسلحة الأمريكي الإدارات المتعاقبة بضمان تفوّق إسرائيل العسكري النوعي على أي دولة أخرى في الشرق الأوسط عند الموافقة على صفقات سلاح متقدم، وهو ما يفسّر تضمين وزارة الخارجية عبارة “لن يُخلّ بالتوازن العسكري في المنطقة” في كل إخطارات بيع الأسلحة الحساسة لدول عربية.
ما الفرق العملي بين F-35A وF-15SA التي يشغّلها سلاح الجو السعودي حالياً؟
تتفوّق F-35A بخاصية التخفّي عن الرادار وبمنظومة استشعار واندماج بيانات أكثر تطوراً، بينما تتميّز F-15SA بحمولة سلاح أكبر ومدى أطول، وهو ما يجعلها مناسبة لمهام الاعتراض والدعم الناري طويل المدى التي تُستخدم فيها حالياً فوق اليمن. ومن المرجّح أن تُستخدم الطائرتان بشكل متكامل بدلاً من أن تحلّ إحداهما محل الأخرى بالكامل.
المصادر
- وزارة الخارجية الأمريكية (عبر GlobalSecurity.org) – النص الرسمي لإخطار الكونغرس رقم 26-69 وتفاصيل الحزمة والقيمة الإجمالية.
- Associated Press (عبر Yahoo News) – تأكيد مستقل لقيمة الصفقة (24.3 مليار دولار) وتفاصيلها.
- Breaking Defense – تفاصيل الحزمة، تصريح لوكهيد مارتن، وخلفية اتفاقية الدفاع الاستراتيجي لعام 2025.
- The Aviationist – مقارنة الصفقة بصفقات F-35 الأوروبية، وخلفية شرط التفوق النوعي الإسرائيلي.
- Business Standard – مخاوف الاستخبارات الأمريكية وتصريحات أعضاء الكونغرس بشأن مخاطر التسرّب التقني إلى الصين.
- South China Morning Post – خلفية تعليق الإمارات مفاوضات F-35 بسبب مخاوف أمريكية من شبكات هواوي للجيل الخامس.