ما مدى اعتماد الإمارات على واشنطن لتشغيل منظومة هيمارس؟

ما مدى اعتماد الإمارات على واشنطن لتشغيل منظومة هيمارس؟

شراء منظومة هيمارس سهلٌ نسبياً؛ تشغيلها لعقود هو ما يكشف حجم الاعتماد الحقيقي. الإمارات هي أول دولة عربية اشترت هذه المنظومة الأمريكية الصنع، وتُعدّ اليوم إلى جانب الأردن الدولتين العربيتين الوحيدتين اللتين تشغّلانها فعلياً وفق مصادر مفتوحة متعددة، بينما لا تزال البحرين في مرحلة الموافقة الأولية على صفقة مماثلة. كل قذيفة GMLRS إضافية، وكل صاروخ ATACMS، وكل تحديث لبرمجية التوجيه يمر عبر نفس القناة الأمريكية الواحدة: لوكهيد مارتن كمقاول رئيسي، ووزارة الخارجية الأمريكية ووكالة DSCA كجهة ترخيص، والكونغرس كجهة مراجعة. هذا الملف يفحص أين تتركز نقاط الاعتماد الفعلية في برنامج هيمارس الإماراتي — من مفتاح تشفير GPS الذي تتحكم فيه وكالة الأمن القومي الأمريكية وحتى مشروعي قانون في الكونغرس يمكن أن يقيّدا صادرات السلاح لأبوظبي بالكامل — دون الخلط بين ما هو مطبّق فعلياً وما هو مجرد نقاش سياسي.

منظومة هيمارس M142 الأمريكية معروضة في معرض دبي للطيران 2023
منظومة هيمارس M142 معروضة في معرض دبي للطيران 2023 — الإمارات أول مشغّل عربي لهذه المنظومة. المصدر: القوات الجوية الأمريكية، تصوير Tech. Sgt. Sergio A. Gamboa (المجال العام)

ما المشكلة؟

الإمارات ليست “مالكة” بالمعنى الكامل لمنظومة هيمارس التي تشغّلها قواتها البرية منذ أواسط العقد الثاني من هذا القرن. فبموجب قانون مراقبة تصدير الأسلحة الأمريكي (Arms Export Control Act) وآلية المبيعات العسكرية الأجنبية (Foreign Military Sales – FMS)، يبقى كل تجديد ذخيرة GMLRS أو ATACMS، وكل ترقية لبرمجية التوجيه والتوجيه الناري، خاضعاً لترخيص تصدير منفصل من وزارة الخارجية الأمريكية وإخطار إلزامي للكونغرس عبر وكالة التعاون الأمني الدفاعي (DSCA). والمشكلة الإضافية الخاصة بهيمارس أن بعض عناصرها الحرجة — تحديداً مفتاح التشفير الذي يوجّه ذخيرة GMLRS عبر الأقمار الصناعية — مصنّف “سري” ولا تُفصح الولايات المتحدة عن تفاصيله التقنية لأي زبون أجنبي، بما يعني أن الاعتماد لا يتوقف عند حدود العقد التجاري، بل يمتد إلى بنية تقنية مغلقة لا تملك أبوظبي مفاتيحها.

كيف تعمل سلسلة الإمداد؟

سلسلة توريد هيمارس مركزية حول مقاول رئيسي واحد: لوكهيد مارتن، التي تصنّع المنصة نفسها (شاحنة إطلاق M142 المبنية على هيكل FMTV) وتُشرف على تصنيع ذخائر GMLRS وATACMS التي تُطلق منها. الطلب الإماراتي الأول وُثّق عبر إخطار DSCA في سبتمبر 2006 شمل نحو 20 منصة إطلاق مع مئات صواريخ ATACMS وقذائف GMLRS، بحسب أرشيف Defense Industry Daily؛ تبعه إخطار ثانٍ في سبتمبر 2014 بقيمة تقديرية تصل إلى 900 مليون دولار لمنصات وذخائر إضافية. التسليم الفعلي لأول دفعة من 12 منصة جرى منتصف العقد الثاني من القرن، كما وثّقت Army Recognition في 2016. والقاعدة الثابتة التي لا تتغيّر مهما تعدّدت الصفقات: كل طلب جديد — منصة أو ذخيرة أو بند دعم لوجستي — يُعاد فتحه من الصفر كحالة FMS مستقلة تحتاج موافقة سياسية في واشنطن، بصرف النظر عن عمر العلاقة التعاقدية القائمة.

ما الأجزاء الأكثر حساسية؟

الجدول التالي يرتب مكونات منظومة هيمارس الإماراتية حسب درجة الاعتماد على مورد وحيد، استناداً إلى بنية سلسلة التوريد المعلنة وإخطارات DSCA الرسمية. “مرتفع” يعني عدم وجود بديل تشغيلي معتمد على نفس المنصة؛ “متوسط” يعني وجود قدرة محلية جزئية؛ “منخفض” يعني إمكانية إحلال فعلية موثّقة.

العنصر المورد مستوى الاعتماد
منصة الإطلاق M142 (الهيكل والمحرك والنظام الهيدروليكي) لوكهيد مارتن / Oshkosh (الولايات المتحدة) مرتفع — لا سوق بديل معترف به لقطع الغيار الأصلية
ذخيرة GMLRS الموجّهة (M31 Unitary وAlternate Warhead) لوكهيد مارتن (الولايات المتحدة) مرتفع — مصدر وحيد، كل دفعة تخضع لإخطار DSCA منفصل
صاروخ ATACMS التعبوي (M57 Unitary) لوكهيد مارتن (الولايات المتحدة) مرتفع — نفس آلية الترخيص لكل صفقة
مفتاح تشفير التوجيه بالأقمار الصناعية (GPS PPS/SAASM) وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA) مرتفع — مصنّف “سري”، لا تُنقل خوارزمياته لأي زبون أجنبي بموجب إخطارات DSCA الرسمية
برمجية التوجيه الناري (نظام من فئة AFATDS/IFATDS) الجيش الأمريكي ومقاولوه (الولايات المتحدة) مرتفع تقديرياً — لم تُنشر تفاصيل علنية حول نسخة الإمارات، لكن كل نسخة تصدير تحتاج شهادة وتحديثاً أمريكياً منفصلاً كما في الحالة البولندية
الصيانة الدولية وقطع الغيار (دعم لوجستي) لوكهيد مارتن عبر عقود IDIQ (الولايات المتحدة) مرتفع — عقد دعم لوجستي دولي موحّد لعملاء هيمارس وMLRS خارج الولايات المتحدة
الصيانة الميدانية الدورية القوات البرية الإماراتية (بتدريب أمريكي) متوسط — قدرة تشغيلية محلية موجودة، لكنها محدودة بالأصناف المعتمدة من الشركة الأم

من يملك التحكم في التوريد؟

التحكم موزَّع بين ثلاث جهات أمريكية لا يمكن فصلها عملياً: لوكهيد مارتن التي تملك حقوق التصميم والتصنيع لكل من المنصة والذخيرة؛ وزارة الخارجية الأمريكية ممثّلة بوكالة DSCA التي توافق على كل حالة بيع عبر آلية FMS؛ ووكالة الأمن القومي (NSA) التي تتحكم تحديداً بمفاتيح تشفير GPS التي تحتاجها ذخيرة GMLRS للعمل بدقة. لا توجد جهة إماراتية — لا وزارة الدفاع ولا القوات البرية المشغّلة — تملك سلطة تجاوز أي من هذه الحلقات الثلاث للحصول على ذخيرة أو تحديث برمجي من طرف ثالث.

هل توجد قيود تصدير؟

لا يوجد حتى الآن أي حظر سلاح (Arms Embargo) أو عقوبة (Sanction) تستهدف برنامج هيمارس الإماراتي تحديداً. القيد القائم فعلياً هو نظام ترخيص إلزامي (Licensing Requirement) بموجب لوائح ITAR، يُطبَّق على كل دفعة ذخيرة ومنصة على حد سواء. أما الأحداث السياسية الفعلية التي أثّرت أو قد تؤثر على العلاقة الدفاعية الأمريكية-الإماراتية الأوسع، فهي لم تستهدف هيمارس بعينها، كما يوضّح الجدول التالي:

التاريخ الحدث النظام المتأثر نوع القيد النتيجة الموثّقة
يناير 2021 إدارة بايدن تجمّد مراجعة حزمة بقيمة 23 مليار دولار للإمارات ضمن إجراء انتقالي روتيني بعد مخاوف حقوقية مرتبطة بحرب اليمن مقاتلات F-35، طائرات MQ-9B، حزمة ذخائر جو-جو وجو-أرض (ليس هيمارس تحديداً) تجميد إداري مؤقت أثناء المراجعة (وليس حظراً أو عقوبة) رُفع التجميد في أبريل 2021 وواصلت الصفقة مسارها
ديسمبر 2021 الإمارات نفسها علّقت مفاوضات حزمة F-35/MQ-9B/الذخائر بعد شروط أمريكية متعلقة بأمن شبكة الجيل الخامس (Huawei) نفس الحزمة أعلاه (ليس هيمارس) قيد مستخدم نهائي/شرط أمني تقني، بتعليق من المشتري نفسه لا من واشنطن الصفقة بقيت معلّقة بحسب آخر تقارير متاحة؛ وزارة الخارجية أبدت استعدادها للمواصلة
2025–2026 (قيد المراجعة التشريعية) مشروعا قانون H.R. 2059 وS. 935 في الكونغرس لحظر تراخيص تصدير أسلحة أمريكية مصنّفة ضمن فئات USML (I–VIII, XIV, XVI–XVIII) للإمارات حتى تصادق الإدارة الأمريكية على عدم دعم أبوظبي لقوات الدعم السريع في السودان فئات تشمل تقنياً منظومات الصواريخ والمدفعية مثل هيمارس وذخائرها، إلى جانب غالبية منصات التصدير الأمريكية للإمارات مشروعا قانون لا يزالان في مرحلة اللجان (لم يُصوَّت عليهما نهائياً حتى وقت كتابة هذا التحليل) لم يُطبَّق أي حظر فعلي حتى الآن؛ الإمارات تنفي دعم قوات الدعم السريع

الخلاصة من الجدول: لا سابقة موثّقة لحظر أو تعليق أمريكي خاص بذخائر أو منصات هيمارس الإماراتية بعينها. لكن مشروعي القانون المعروضين حالياً على الكونغرس يوضّحان أن آلية الخطر السياسي قائمة ومتجدّدة: أي توتر مستقبلي حول السودان أو أي ملف آخر يمكن أن يتحوّل إلى قيد تشريعي يشمل فئات تصدير عريضة تضم، من الناحية الفنية، صواريخ ومدفعية من طراز هيمارس وGMLRS، وليس فقط حزمة F-35 القديمة.

ماذا عن قطع الغيار؟

لم تُنشر معلومات علنية مفصّلة عن حالة FMS خاصة بقطع غيار هيمارس الإماراتية بعد التسليم الأولي، على عكس حالات مثل محركات F-16 الأردنية. غياب هذا النوع من الإخطارات المنفصلة لا يعني غياب الاعتماد، بل أن دعم قطع الغيار يُدار حالياً ضمن عقود دعم لوجستي دولية أشمل تغطي عدة دول مشغّلة في الوقت نفسه (انظر فقرة الصيانة أدناه)، وهو ترتيب يقلّص عدد المراجعات السياسية المنفصلة لكنه لا يقلّص الاعتماد الفني نفسه.

ماذا عن الذخائر؟

في 11 أكتوبر 2024 وافقت وزارة الخارجية الأمريكية على بيع الإمارات ذخائر GMLRS وATACMS بقيمة تقديرية 1.2 مليار دولار، شملت 259 حاوية (Pod) من ذخيرة GMLRS طراز M31A1 الأحادية الرأس (أي 1554 قذيفة بمعدل ست قذائف لكل حاوية) و203 صواريخ ATACMS طراز M57 الأحادية الرأس، بحسب GovConWire وتأكيد Army Technology، مع لوكهيد مارتن كمقاول رئيسي وحيد للصفقة. الإخطار الرسمي نُشر لاحقاً في السجل الفيدرالي الأمريكي بتاريخ 12 ديسمبر 2025. والأهم تقنياً: إخطار DSCA السابق لصفقة مماثلة من أكتوبر 2017، الذي نشره السجل الفيدرالي، يوثّق رسمياً أن ذخيرة GMLRS تعتمد على نظام ملاحة بالقصور الذاتي يدعمه مستقبل GPS من فئة SAASM يحتاج “مفاتيح تشفير تتحكم بها وتُصدرها وكالة الأمن القومي الأمريكية”، وأن مكوّن تحديد المواقع الدقيق (GPS PPS) مصنّف “سري” ولا يُكشف عن خوارزمياته البرمجية لأي دولة مشترية. بعبارة أخرى: دقة كل قذيفة GMLRS تطلقها الإمارات تعتمد، من الناحية التقنية البحتة، على مكوّن تشفير لا تملك أبوظبي الوصول إلى تفاصيله.

ماذا عن الصيانة؟

جنود يعيدون تحميل ذخيرة على منظومة هيمارس M142 خلال تدريب عسكري
عملية إعادة تحميل ذخيرة على منصة هيمارس خلال تدريب مشترك (صورة توضيحية للجيش الأمريكي). المصدر: الجيش الأمريكي (المجال العام)

حصلت لوكهيد مارتن في مايو 2026 على عقد سقفه 180 مليون دولار من فئة IDIQ لتقديم خدمات الدعم اللوجستي الدولي لمنظومتي هيمارس وMLRS لعملاء المبيعات العسكرية الأجنبية حتى عام 2031، بحسب Defence Blog (مصدر وحيد متاح لهذا التفصيل، وهو عقد سقف أقصى لا قيمة مضمونة، وينطبق على عدة دول مشغّلة معاً وليس على الإمارات فقط). يشمل العقد الصيانة وقطع الغيار والدعم الفني الميداني. هذا الترتيب يعني أن أي عمرة كبرى أو إصلاح جوهري لمنصة الإطلاق يبقى مرتبطاً تعاقدياً بمقاول أمريكي واحد، حتى مع وجود قدرة صيانة ميدانية محلية جزئية داخل القوات البرية الإماراتية.

هل توجد بدائل محلية؟

لا يوجد حتى الآن بديل عربي أصلي الصنع من فئة هيمارس (منصة متحركة بمدى يتجاوز 70 كم ودقة توجيه بالأقمار الصناعية) قادر على الإحلال الكامل. الأردن، المشغّل العربي الثاني للمنصة الأمريكية، يعتمد في منظوماته الصاروخية الأخرى على راجمات SR5 الصينية الصنع من Norinco، وليس على تصنيع محلي. الخيار الإقليمي الأقرب تقنياً هو عائلة TRG-230/TRLG-230 التركية من شركة روكتسان، بمدى يصل إلى 70 كم ونسخة موجّهة بالليزر دخلت الخدمة التصديرية في أذربيجان وأوكرانيا، وفق توصيف تقني مفصّل لموقع Envanter Medya — لكن لا توجد حتى الآن صفقة تصدير مؤكدة لهذا النظام إلى أي دولة خليجية، وهو بذلك خيار تنويع نظري أكثر منه بديلاً قائماً فعلياً. من الناحية العملية، لا “استقلالية عربية” متاحة اليوم في فئة الراجمات الصاروخية الدقيقة متوسطة المدى.

هل يمكن تنويع الموردين؟

نعم من الناحية النظرية، لكن بتكلفة تعقيد لوجستي. البديلان الأكثر نضجاً تصديرياً هما منظومة Chunmoo الكورية الجنوبية من Hanwha، ومنظومة ASTROS البرازيلية من Avibras، وكلاهما مطروح كبديل تنافسي مباشر لهيمارس في الأسواق العربية (راجع مقارنتنا التفصيلية بين Chunmoo وHIMARS وASTROS لصالح الجيوش العربية). اعتماد أي دولة خليجية على هذين الخيارين معاً مع هيمارس لا يُنهي الاعتماد الخارجي، بل يوزّعه بين ثلاث دول موردة مختلفة (الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية والبرازيل)، مع تكلفة إضافية في التدريب والذخيرة غير المتوافقة بين المنظومات المختلفة الجنسية؛ وهو ما يقلّص خطر الانقطاع الكامل من مصدر واحد دون أن يُلغي منطق الاعتماد نفسه.

ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟

الدرس ليس أن منظومة هيمارس “خطرة” أو ينبغي تجنبها، بل أن الاعتماد على مورد واحد لمنظومة نار دقيقة متحركة يعني ربط جاهزية مخزون الذخيرة المستقبلي بعملية سياسية أمريكية متكررة، بصرف النظر عن نية أي طرف حالياً. بالنسبة للإمارات ولأي دولة عربية تدرس شراء هيمارس أو منظومة مشابهة، الأولويات العملية هي: تأمين مخزون كافٍ من ذخيرة GMLRS وATACMS قبل أي أزمة سياسية لا بعدها، ومتابعة مسار مشروعي القانون H.R. 2059 وS. 935 في الكونغرس كمؤشر مبكر على مخاطر تشريعية مستقبلية واسعة النطاق تتجاوز حزمة F-35 لتشمل فئات تصدير تقنياً عريضة، ودراسة التنويع نحو Chunmoo أو ASTROS كتوزيع مخاطر لا كحل نهائي — مع إبقاء أي تقييم للجاهزية العملياتية الحالية للأسطول القائم خارج نطاق هذا التحليل.

المصادر

ملاحظة تحريرية: هذا التحليل يتناول البنية القانونية والتعاقدية لسلسلة توريد هيمارس الإماراتية فقط، ولا يتضمن أي تقييم لمستويات الجاهزية العملياتية الحالية أو مخزون الذخيرة الفعلي لدى القوات البرية الإماراتية.

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات مشابهة