ما هو السونار؟ وكيف يعمل تحت الماء؟
السونار هو جهاز يستخدم الموجات الصوتية لاكتشاف الأجسام تحت سطح الماء وتحديد مكانها، تماماً كما يستخدم الرادار الموجات الكهرومغناطيسية في الهواء. يعمل بإرسال نبضة صوتية ثم الاستماع إلى صداها المرتد من جسم ما، كغواصة أو سفينة أو صخرة، فيُحسب موقع الهدف من زمن رجوع هذا الصدى. تعتمد عليه البحريات في كل العالم لمطاردة الغواصات وحماية السفن الحربية وكشف الألغام البحرية، كما تستخدمه السفن التجارية وقوارب الصيد بصورة أبسط لقياس عمق الماء. في هذا المقال نوضح كيف يعمل السونار، وما الفرق بين نوعيه الرئيسيين النشط والسلبي، وأين تحتاجه السفن الحربية فعلياً.

ما هو السونار؟
السونار تقنية لرصد الأجسام تحت الماء عبر الصوت بدلاً من الضوء أو الموجات الكهرومغناطيسية. والسبب بسيط: الماء يمتص الموجات الكهرومغناطيسية ويخفّت الضوء بسرعة كبيرة بعد عشرات الأمتار فقط، في حين ينتقل الصوت في الماء لمسافات طويلة بكفاءة عالية. من هنا جاءت فكرة استخدام الصدى الصوتي لتحديد المسافة والاتجاه، بنفس المبدأ الذي يستخدمه الخفاش في الطيران ليلاً أو الدلفين في مطاردة فريسته.
تطورت هذه التقنية بشكل كبير مع انتشار الغواصات في الحربين العالميتين، حين احتاجت البحريات إلى وسيلة لكشف غواصة مختفية تحت الماء لا يراها الرادار ولا تكشفها العين. ومنذ ذلك الوقت أصبح السونار العنصر الأساسي في أي منظومة للحرب المضادة للغواصات، سواء كانت على متن سفينة حربية أو غواصة أو طائرة هليكوبتر.
كيف يعمل؟
يعمل السونار بإحدى طريقتين مختلفتين تماماً في الفكرة والاستخدام:
السونار النشط: يُصدر جهاز يسمى “المحوّل” (Transducer) نبضة صوتية قصيرة تنتقل في الماء حتى تصطدم بجسم ما، فينعكس جزء من طاقتها كصدى يعود إلى الجهاز نفسه. بمعرفة الزمن الذي استغرقته النبضة للذهاب والعودة، وبما أن سرعة الصوت في الماء معروفة تقريباً (نحو 1500 متر في الثانية، وتتغير قليلاً حسب الحرارة والملوحة والعمق)، يمكن حساب المسافة إلى الهدف واتجاهه بدقة. هذا يشبه تماماً مبدأ عمل الرادار، لكن بالصوت بدل الموجة الكهرومغناطيسية.
السونار السلبي: لا يُصدر أي صوت، بل يستمع فقط. تحتوي كل سفينة أو غواصة على ضجيج صوتي خاص بها ناتج عن محركاتها ومراوحها وتدفق الماء حول هيكلها، وهذا ما يسمى “التوقيع الصوتي”. تستخدم مصفوفة من المستقبلات الصوتية الحساسة (الهيدروفونات) لرصد هذا الضجيج من مسافة بعيدة، ثم تحلّله لمعرفة نوع الهدف المحتمل. ميزته الأساسية أنه لا يكشف موقع من يستخدمه، على عكس السونار النشط الذي يُعلن عن موقع صاحبه في اللحظة التي يرسل فيها نبضته، تماماً كصرخة في الظلام.
ما مكوناته؟
- المحوّل أو جهاز الإرسال (Transducer/Projector): يحوّل الطاقة الكهربائية إلى نبضة صوتية في وضع السونار النشط.
- مصفوفة الهيدروفونات (Hydrophone Array): مستقبلات صوتية حساسة تستقبل الصدى أو الضجيج المحيط.
- وحدة المعالجة الرقمية للإشارة: تفلتر الضجيج العشوائي وتستخرج الإشارة المفيدة لتحديد المسافة والاتجاه ونوع الهدف.
- شاشة العرض ولوحة التحكم: تعرض الصورة الصوتية للمشغّل بشكل مرئي يسهل قراءته وتتبعه.
- الكابل والرافعة (في السونار المقطور): يسمحان بسحب جهاز الاستقبال خلف السفينة على مسافة بعيدة عن ضجيج محركاتها الخاصة.
ما أنواعه؟
إلى جانب التصنيف النشط والسلبي، يختلف السونار أيضاً حسب طريقة تثبيته وحمله:
- سونار البدن (Hull-Mounted Sonar): يُثبَّت بشكل دائم في مقدمة بدن السفينة أو الغواصة تحت خط الماء، وهو الأكثر انتشاراً على السفن الحربية.
- السونار المقطور (Towed Array Sonar): مصفوفة طويلة من الهيدروفونات تُسحب خلف السفينة بكابل طويل، بعيداً عن ضجيج محركاتها، وهذا يحسّن قدرته على العمل في الوضع السلبي بشكل كبير.
- السونار القابل للتعميق (Variable Depth Sonar – VDS): يمكن إنزاله إلى أعماق مختلفة بدلاً من البقاء ثابتاً عند عمق البدن، وهذا يساعد على تجاوز مشكلة الطبقات الحرارية التي تشوّه انتقال الصوت قرب السطح.
- السونار المغمور من الطائرات العمودية (Dipping Sonar): تنزله طائرات الهليكوبتر المضادة للغواصات بكابل إلى الماء بينما تحوم في الجو، ثم تسحبه وتتحرك إلى موقع آخر لتكرار عملية البحث.
- العوامات الصوتية (Sonobuoys): أجهزة صغيرة تُقذف من طائرة أو مسيّرة بحرية وتطفو على سطح الماء، وتبث ما ترصده صوتياً عبر الراديو إلى الطائرة أو السفينة التي أطلقتها.
- سونار كشف الألغام: يعمل بترددات عالية جداً لإعطاء صورة دقيقة الوضوح عن قاع البحر، مصمم خصيصاً لتمييز الألغام الصغيرة عن الصخور والحطام.
وتعمل بعض المسيّرات الجوية البحرية الحديثة على حمل عوامات صوتية وإسقاطها لأداء هذه المهمة بدلاً من طائرات الهليكوبتر التقليدية، وهو تطور ميداني وثّقته تقارير عسكرية عدة. وللاطلاع على تفاصيل تجربة ميدانية حديثة من هذا النوع، يمكن الرجوع إلى الملف الذي نشرته Envanter Medya حول اختبار إسقاط عوامة صوتية من مسيّرة Bayraktar TB3.

| المعيار | السونار | الرادار |
|---|---|---|
| الموجة المستخدمة | موجات صوتية | موجات كهرومغناطيسية |
| الوسط الأساسي | تحت الماء | الهواء والفضاء |
| سرعة انتقال الموجة | نحو 1500 م/ث في الماء، وتتغير بالحرارة والملوحة | سرعة الضوء تقريباً |
| أكبر تحدٍ تقني | الطبقات الحرارية والضجيج المحيط | التشويش الإلكتروني وبصمة الرادار المنخفضة |
| النمط الأكثر استخداماً عسكرياً | سلبي (استماع فقط) لتجنب الكشف | نشط، مع وجود أنظمة سلبية متخصصة |
أين يُستخدم؟
يتركز استخدام السونار العسكري في الحرب المضادة للغواصات، حيث تحمله المدمرات والفرقاطات المخصصة لحماية مجموعات القتال البحرية، بما في ذلك مجموعات حاملات الطائرات التي تحتاج إلى حزام دفاعي تحت الماء إضافة إلى دفاعها الجوي. كما تعتمد عليه الغواصات نفسها، خصوصاً الغواصات الهادئة من طراز AIP التي صُممت أصلاً لتقليل ضجيجها الصوتي والتفوق في مواجهات السونار السلبي. وتستخدمه أيضاً الكورفيتات الخفيفة، وطائرات الهليكوبتر المضادة للغواصات، وسفن كشف وإزالة الألغام البحرية.
خارج النطاق العسكري، تستخدم السفن التجارية وقوارب الصيد وسفن المسح الجيولوجي نسخة مبسطة من السونار تُعرف بمسبار العمق (Echo Sounder) لقياس عمق قاع البحر ورسم خرائطه، وهي تطبيق مدني لنفس المبدأ الفيزيائي.
مزاياه
- الوسيلة العملية الوحيدة تقريباً لرصد الأجسام تحت الماء على مسافات بعيدة، لأن الموجات الكهرومغناطيسية والضوء لا ينتقلان فيه بكفاءة.
- السونار السلبي يتيح الرصد دون الكشف عن موقع من يستخدمه، وهو أمر حيوي للغواصات.
- لا يتأثر بالظروف الجوية فوق السطح، ويعمل ليلاً ونهاراً بنفس الكفاءة تقريباً.
- قابل للدمج على منصات متعددة: سفن سطحية، غواصات، طائرات هليكوبتر، ومسيّرات بحرية.
حدوده
- سرعة انتقال الصوت في الماء تتغير مع الحرارة والملوحة والضغط، وهذا يخلق طبقات صوتية تنحني فيها مسارات الصوت وتترك “مناطق ظل” قد تختفي فيها غواصة عن الرصد.
- الضجيج الطبيعي في البحر، من المخلوقات البحرية إلى حركة الأمواج، قد يصعّب تمييز الهدف الحقيقي.
- السونار النشط يكشف موقع من يستخدمه فور إصدار النبضة، تماماً كما يفعل الرادار.
- معدل تحديث المعلومات أبطأ من الرادار بسبب بطء سرعة الصوت مقارنة بسرعة الموجة الكهرومغناطيسية.
- المياه الضحلة بالقرب من السواحل تسبب انعكاسات متعددة من قاع البحر وسطحه، وهذا يصعّب التمييز بين الهدف الحقيقي وأصداء زائفة.
ما الذي لا يعنيه السونار؟
يخلط البعض بين السونار والرادار لأن الاثنين يستخدمان مبدأ “إرسال واستقبال واحتساب الزمن”، لكنهما مختلفان تماماً في الموجة والوسط: الرادار للهواء والفضاء، والسونار للماء فقط. كذلك فإن مسبار العمق العادي المستخدم في قوارب الصيد وتطبيقات الهاتف هو شكل مبسّط جداً من مبدأ السونار، لكنه لا يُقارن بتعقيد أنظمة السونار التكتيكية العسكرية القادرة على التمييز بين توقيعات صوتية مختلفة لعشرات الأهداف في وقت واحد. وأخيراً، فإن صورة “النقطة على الشاشة مع صوت نبضة” الشائعة في الأفلام مبالغ فيها؛ فالغواصات الحديثة تتجنب استخدام السونار النشط قدر الإمكان لأنه يفضح موقعها.
أمثلة حقيقية
- AN/SQQ-89: منظومة أمريكية متكاملة للحرب المضادة للغواصات تجمع سونار البدن والسونار المقطور ومعالجة بيانات موحدة، تُستخدم على مدمرات البحرية الأمريكية.
- Type 2087 (Thales): سونار بريطاني نشط وسلبي يجمع بين مصفوفة مقطورة ومصفوفة هيدروستاتيكية، ويُستخدم على فرقاطات Type 23.
- عائلة CAPTAS (Thales/Leonardo): سونار مقطور فرنسي-إيطالي قابل للتعميق، يُجهَّز على فرقاطات FREMM الفرنسية والإيطالية، وبنسخة بريطانية تحت اسم Sonar 2087 على فرقاطات Type 23 وType 26.
- DÜFAS (ASELSAN): سونار تركي محلي الصنع قابل للتعميق ويعمل بالتردد المنخفض، مخصص لمدى طويل في الحرب المضادة للغواصات، أُجريت تجاربه على سفن البحرية التركية ويُستهدف تجهيز فرقاطات إسطنبول به.
أمثلة من الصناعات الدفاعية التركية والعربية
طوّرت تركيا سونار محلياً عبر أكثر من شركة واحدة: فشركة Meteksan هي من تزوّد كورفيتات فئة MILGEM بسونار البدن المحلي YAKAMOS، بينما طوّرت شركة ASELSAN منظومة DÜFAS، وهي سونار مقطور قابل للتعميق يعمل بالتردد المنخفض لمدى طويل، إضافة إلى عملها مع شركة ARMELSAN على جناح سونار متعدد الثوابت لمدمرات TF-2000 المستقبلية. هذا جزء من مسار توطين الحساسات البحرية إلى جانب الرادار والحرب الإلكترونية الذي تتبعه الصناعة الدفاعية التركية. وللاطلاع على نطاق أوسع من منظومات ASELSAN في هذا المجال، يمكن الرجوع إلى الملف الذي نشرته Envanter Medya حول عشرين منظومة من منظومات الشركة في مجال الإلكترونيات الدفاعية.
في المقابل، تعتمد أغلب البحريات العربية التي تشغّل فرقاطات حديثة، مثل فرقاطات FREMM المصرية أو فرقاطات MMSC السعودية، على أنظمة سونار غربية مدمجة أصلاً في تصميم السفينة من الشركة المصنّعة الأصلية، وهو نمط شائع في صفقات شراء المنصات البحرية الجاهزة أكثر من نمط التوطين الصناعي الكامل.
لماذا هذا المفهوم مهم؟
الغواصة تهديد صعب الكشف بطبيعته: لا يراها الرادار، ولا تراها الأقمار الصناعية إذا كانت تحت الماء، وقد تبقى مختفية لأسابيع. هذا يجعل السونار الأداة الوحيدة العملية لكشفها ومتابعتها، ويفسر سبب استمرار البحريات الكبرى والبحريات الإقليمية في الاستثمار بأنظمة سونار جديدة كل عقد تقريباً. مع ازدياد وجود الغواصات الهادئة من طراز AIP في مياه البحر المتوسط والخليج والبحر الأحمر، وازدياد أهمية حماية خطوط الملاحة وكابلات الطاقة والاتصالات تحت الماء، يصبح التفوق في تقنية السونار عنصراً مباشراً في موازين القوى البحرية الإقليمية، لا تفصيلاً تقنياً هامشياً.
الأسئلة الشائعة