ما هي صفقة FMS؟ وكيف تعمل آلية البيع العسكري الأجنبي الأمريكية؟

ما هي صفقة FMS؟ وكيف تعمل آلية البيع العسكري الأجنبي الأمريكية؟

حين تقرأ أن واشنطن “وافقت على صفقة محتملة” لبيع صواريخ أو رادارات لدولة عربية، فإن ما يجري غالباً هو عملية تُعرف اختصاراً بـFMS، أي Foreign Military Sales أو البيع العسكري الأجنبي. هذه ليست صفقة تجارية عادية بين شركة ومشترٍ، بل آلية تدير فيها الحكومة الأمريكية نفسها عملية الشراء نيابة عن الدولة المستوردة، من تحديد السعر إلى الإشراف على التسليم.

ببساطة: عندما تريد دولة عربية شراء منظومة باتريوت أو مقاتلة F-16 من الولايات المتحدة، فإنها لا تتفاوض مباشرة مع الشركة المصنّعة كما تفعل مع شركة أوروبية أو تركية، بل تمر عبر وكالة حكومية أمريكية متخصصة تتعامل مع وزارة الدفاع الأمريكية بصفتها الوسيط الرسمي والضامن للصفقة.

باختصار
FMS هو برنامج حكومي أمريكي تشتري من خلاله دول أخرى أسلحة ومعدات أمريكية عبر الحكومة الأمريكية نفسها وليس مباشرة من الشركة المصنّعة. تدير العملية وكالة التعاون الأمني الدفاعي DSCA التابعة للبنتاغون، وتشمل تقديم طلب رسمي، وعرض سعر وشروط من واشنطن، وموافقة الكونغرس على الصفقات الكبرى، قبل التنفيذ والتسليم. يقابله أسلوب آخر هو البيع التجاري المباشر DCS، حيث تتفاوض الشركة مع المشتري دون وسيط حكومي بنفس الدرجة.

ما هو FMS؟

FMS برنامج تشرف عليه الحكومة الأمريكية بموجب قانون الرقابة على تصدير الأسلحة (Arms Export Control Act)، وتتولى تنفيذه وكالة التعاون الأمني الدفاعي DSCA (Defense Security Cooperation Agency) التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية بالتنسيق مع وزارة الخارجية. في هذا الإطار، لا تشتري الدولة الأجنبية السلاح من الشركة المصنّعة كطرف تجاري حر، بل توقّع اتفاقاً مع الحكومة الأمريكية، وتتولى هذه الأخيرة التعاقد مع الشركة وإدارة الإنتاج والتسليم والتدريب والدعم اللوجستي.

الفكرة الأساسية أن الحكومة الأمريكية تضع نفسها طرفاً في الصفقة، وهو ما يمنحها قدرة على فرض شروط على الاستخدام النهائي للسلاح، وتحديد الدول التي يمكنها الشراء أصلاً، ومراقبة إعادة التصدير أو النقل لطرف ثالث. من هنا ترتبط صفقات FMS عادة بقيود نظام ITAR الخاص بالذخائر الدفاعية، وهو ما يفسر لماذا تخشى دول عربية كثيرة من تعليق قطع الغيار أو الدعم الفني في أوقات التوتر السياسي.

كيف تعمل الآلية؟

تمر صفقة FMS النموذجية بسلسلة خطوات محددة:

  • طلب المعلومات أو الرسالة الرسمية (LOR): ترسل الدولة الراغبة في الشراء طلباً رسمياً (Letter of Request) إلى الحكومة الأمريكية تحدد فيه المنظومة والكمية المطلوبة تقريبياً.
  • إعداد عرض الشراء (LOA): تُعدّ الوكالات الأمريكية المعنية عرضاً مفصلاً (Letter of Offer and Acceptance) يشمل السعر التقديري والجدول الزمني وشروط الدعم.
  • إخطار الكونغرس: إذا تجاوزت قيمة الصفقة أو حساسية المعدات حدوداً معينة ينص عليها القانون، يُخطر الكونغرس الأمريكي رسمياً، وتتاح لأعضائه مهلة زمنية للاعتراض قبل المضي في الصفقة.
  • التوقيع والتنفيذ: بعد موافقة الدولة المشترية على العرض النهائي، تتعاقد الوكالات الأمريكية المنفّذة (الجيش أو البحرية أو القوات الجوية الأمريكية بحسب نوع المعدات) مع الشركة المصنّعة لتسليم المنظومة.
  • التسليم والدعم اللاحق: تشمل الصفقة عادة التدريب، وقطع الغيار، والصيانة لسنوات لاحقة، ضمن ما يُعرف بدعم ما بعد البيع.
ولي عهد مملكة البحرين يوقّع اتفاقية شراء منظومة الدفاع الجوي باتريوت خلال زيارة إلى واشنطن
توقيع اتفاقية شراء منظومة باتريوت الأمريكية للبحرين عبر آلية FMS، سبتمبر 2019. المصدر: مكتب نائب الرئيس الأمريكي (ملكية عامة)

الفرق بين FMS وDCS

إلى جانب FMS، تملك الشركات الأمريكية مساراً آخر هو البيع التجاري المباشر DCS (Direct Commercial Sale)، حيث تتفاوض الشركة مع الحكومة الأجنبية مباشرة دون أن تتوسط الحكومة الأمريكية في تحديد السعر أو إدارة العقد، وإن كانت هذه الصفقات تبقى خاضعة لترخيص تصدير من وزارة الخارجية الأمريكية بموجب ITAR.

مقارنة بين FMS وDCS
المعيار FMS DCS
الطرف المتعاقد الحكومة الأمريكية نيابة عن المشتري الشركة المصنّعة مباشرة مع المشتري
تحديد السعر والشروط تضعه الوكالات الحكومية الأمريكية تتفاوض عليه الشركة مع العميل
إشراف الكونغرس إخطار إلزامي للصفقات الكبرى رقابة عبر تراخيص التصدير فقط
الدعم بعد البيع غالباً مضمون عبر برامج حكومية طويلة المدى يعتمد على بنود العقد مع الشركة
المرونة في التفاوض محدودة، الشروط شبه موحّدة أوسع، تسمح بتفاوض تجاري مباشر

من يشارك في العملية؟

تشارك في أي صفقة FMS عدة جهات أمريكية: وكالة DSCA التي تنسّق العملية إدارياً، ومكتب الشؤون السياسية-العسكرية في وزارة الخارجية الذي يقيّم الأبعاد السياسية والدبلوماسية، والفروع التنفيذية في الجيش والبحرية والقوات الجوية التي تدير التعاقد الفعلي مع الشركات المصنّعة، وأخيراً لجان الكونغرس المختصة بالشؤون الخارجية والقوات المسلحة التي تملك حق المراجعة. على الجانب المقابل، تتفاوض وزارة الدفاع أو القيادة العامة للدولة المشترية، وغالباً ما تتم الزيارات الرسمية رفيعة المستوى بين الجانبين في هذه المرحلة لتسريع أو تسوية بنود الصفقة.

الأمير خالد بن سلمان نائباً لوزير الدفاع السعودي يصل البنتاغون برفقة وزير الدفاع الأمريكي الأسبق مارك إسبر
زيارات المسؤولين الدفاعيين إلى البنتاغون جزء معتاد من مسار التفاوض على صفقات FMS. المصدر: وزارة الدفاع الأمريكية (ملكية عامة)

لماذا تتأخر صفقات FMS أحياناً؟

من أكثر الشكاوى تكراراً لدى الدول المشترية طول المدة الزمنية بين الموافقة المبدئية والتسليم الفعلي. يعود ذلك إلى عدة عوامل: قيود ITAR التي تتطلب مراجعة أمنية لكل مكوّن حساس، وأولويات الإنتاج داخل خطوط التصنيع الأمريكية التي قد تخصص جزءاً من طاقتها لتلبية احتياجات الجيش الأمريكي نفسه أولاً، وإمكانية تعليق الكونغرس لصفقة بعينها لأسباب سياسية دون رفضها رسمياً، إضافة إلى شروط المراقبة على الاستخدام النهائي (End-Use Monitoring) التي تفرض على الدولة المشترية التزامات تفتيش ومتابعة دورية. وتزداد حساسية هذه القيود كلما تعلّق الأمر بقطع الغيار نفسها لا بالمنظومة الأصلية، كما يوضح مقال لماذا تخشى الدول العربية قطع غيار F-16.

ما الذي لا يعنيه FMS؟

كثيراً ما يُخلط بين FMS وبين المساعدات العسكرية المجانية؛ فـFMS في جوهره آلية شراء وليس منحة، وإن كانت بعض الدول تحصل على تمويل حكومي أمريكي ميسّر يُعرف ببرنامج التمويل العسكري الأجنبي (FMF) يُستخدم لتغطية بعض صفقات FMS. كما لا يعني وجود موافقة الكونغرس على صفقة أن التسليم بات وشيكاً؛ فالموافقة هي بداية مسار تعاقدي قد يستغرق سنوات. وأخيراً، ليس كل سلاح أمريكي يُباع للخارج يمر عبر FMS، إذ تفضّل بعض الدول أو تُلزَم بموجب سياسة الشركة بمسار DCS التجاري المباشر لمعدات أقل حساسية.

أمثلة حقيقية

شهدت المنطقة العربية في السنوات الأخيرة عدداً من صفقات FMS البارزة. وقّعت البحرين اتفاقية لشراء منظومة باتريوت الأمريكية عام 2019 دخلت الخدمة لاحقاً بافتتاح قاعدة عسكرية مخصصة. ووافقت واشنطن على صفقة محتملة بقيمة 400 مليون دولار لإصلاح وإعادة صواريخ باتريوت كويتية ضمن آلية FMS، في إطار اتفاق الدعم اللوجستي الذي أعلنته واشنطن لصواريخ الكويت. كما وافقت الإدارة الأمريكية على صفقة محتملة أخرى تتيح بيع الإمارات حتى عشرة آلاف صاروخ APKWS II الموجّه بالليزر، وهي من الصفقات التي تمر تقليدياً عبر المسار الحكومي بحكم حساسية تقنية التوجيه المستخدمة فيها.

FMS في سياق الصناعات العربية والتركية

آلية FMS خاصة بالسلاح الأمريكي حصراً، ولا تنطبق على مشتريات الدول العربية من مورّدين آخرين. فحين تشتري دولة خليجية طائرة Baykar التركية أو منظومة من EDGE الإماراتية أو SAMI السعودية، تكون الصفقة في الغالب عقداً تجارياً مباشراً بين الحكومتين أو بين الحكومة والشركة، تحكمه مذكرات تفاهم ثنائية لا قانون FMS الأمريكي بتفاصيله وآلياته الرقابية؛ وهو ما يشرحه مقال ما هو نقل التكنولوجيا الدفاعية من زاوية الصناعة المحلية. هذا الفارق يفسّر جزئياً لماذا تتجه بعض الدول العربية إلى تنويع مصادر التسلح بين واشنطن وأنقرة والدول الأوروبية والآسيوية، كما توضح خريطة موردي السلاح للسعودية؛ فالمسار غير الأمريكي يمنحها هامش تفاوض أوسع وربط أقل بشروط سياسية مسبقة ويختلف غالباً عن منطق الأوفست الدفاعي المرتبط بصفقات التوطين الصناعي، وإن كان يفتقر أحياناً إلى عمق الدعم اللوجستي طويل المدى الذي توفره واشنطن ضمن برامجها الحكومية.

لماذا هذا المفهوم مهم؟

فهم آلية FMS يفسّر الكثير مما يُنشر يومياً عن صفقات السلاح في المنطقة: لماذا تُعلن “موافقة محتملة” قبل التوقيع الفعلي بأشهر أو سنوات، ولماذا تتوقف بعض الصفقات أو تتأخر لأسباب لا علاقة لها بالقدرة المالية للمشتري، ولماذا تبقى قطع الغيار والصيانة بحد ذاتها ورقة ضغط سياسية. وللاطلاع على مثال واقعي حديث لصفقة تسليح إقليمية، يمكن الرجوع إلى الملف الذي نشرته Envanter Medya حول عقود راينثيون لتزويد قطر والأردن بمكوّنات منظومة LIDS المضادة للمسيّرات.

ما الفرق بين FMS وFMF؟
FMS آلية الشراء نفسها، بينما FMF (Foreign Military Financing) برنامج تمويل حكومي أمريكي يمنح بعض الدول قروضاً أو منحاً تُستخدم لدفع ثمن صفقات FMS أو غيرها من الاحتياجات الدفاعية.
هل يمكن لأي دولة الشراء عبر FMS؟
لا، فالشراء يتطلب موافقة سياسية أمريكية مسبقة، وتخضع بعض الدول لقيود أو حظر كامل بموجب عقوبات أو قرارات كونغرسية.
كم تستغرق صفقة FMS عادة من الموافقة إلى التسليم؟
يتفاوت الأمر بشدة حسب نوع المعدات وحجم الطلب العالمي عليها، وقد يمتد من أشهر قليلة لمعدات جاهزة إلى عدة سنوات لمنظومات تتطلب خطوط إنتاج جديدة.
هل تملك دول أخرى غير أمريكا آلية مشابهة لـFMS؟
بعض الدول كفرنسا وبريطانيا تدير برامج تصدير دفاعي تشرف عليها الحكومة بدرجات متفاوتة من المركزية، لكن لا يوجد نظام مطابق تماماً لصرامة وتفصيل FMS الأمريكي.
لماذا يرتبط FMS بقيود ITAR؟
لأن أغلب المعدات التي تُباع عبر FMS تصنَّف كذخائر دفاعية بموجب قائمة الذخائر الأمريكية، وهو ما يُخضعها تلقائياً لقواعد ITAR الخاصة بالتصدير وإعادة التصدير والاستخدام النهائي.
هل اعتراض الكونغرس على صفقة يعني إلغاءها؟
ليس بالضرورة؛ فالاعتراض أو التجميد المؤقت قد يُستخدم كأداة ضغط سياسي يُحل لاحقاً بالتفاوض، وقلما تصل الصفقات إلى إلغاء كامل بعد دخولها مسار الإخطار الرسمي.
  • وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأمريكية (DSCA) — الموقع الرسمي وإشعارات الكونغرس المنشورة
  • وزارة الخارجية الأمريكية، مكتب الشؤون السياسية-العسكرية
  • خدمة أبحاث الكونغرس (Congressional Research Service)، تقارير حول مبيعات الأسلحة الأمريكية للخارج
  • معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI)، قاعدة بيانات نقل الأسلحة
  • Defense News، تغطية صفقات FMS الإقليمية


مقالات مشابهة