تركيا توافق على تسليم معسكر بعشيقة–زيليكان للعراق تدريجياً.. اتفاق أردوغان والزيدي في نيويورك
وافقت تركيا على تسليم معسكر بعشيقة–زيليكان العسكري، الواقع شمال شرق الموصل، إلى السيطرة العراقية الكاملة بصورة تدريجية، بحسب بيان مشترك صدر عقب لقاء جمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان برئيس الوزراء العراقي علي الزيدي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك يوم 23 سبتمبر/أيلول 2026. ويطوي القرار صفحة خلاف استمر أكثر من عشر سنوات حول شرعية الوجود العسكري التركي في المعسكر، مقابل التزام بغداد ببسط سلطة الدولة الكاملة على قضاء سنجار وإنهاء وجود ما وصفه البيان بـ”العناصر المسلحة الأجنبية المحظورة” هناك، في إشارة تحمل دلالات واضحة تجاه حزب العمال الكردستاني.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث التقى رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي على هامش الدورة 81 في نيويورك (تصوير: UN Photo/Loey Felipe)
ماذا جرى في نيويورك؟
عقد أردوغان والزيدي اجتماعاً ثنائياً على هامش الدورة الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة، أعقبه بيان مشترك صادر عن الجانبين التركي والعراقي أكد “الاتفاق على التسليم التدريجي لمعسكر بعشيقة–زيليكان وفق آلية وجدول زمني متفق عليهما”، من دون تحديد تاريخ نهائي علني لإتمام الانسحاب. ونقلت وسائل إعلام عن مصدر عسكري عراقي مطلع أن الانسحاب التدريجي من بعشيقة ومن موقع صغير آخر قرب الموصل قد يكتمل بحلول نهاية عام 2026 الجاري، من دون أن يصدر تأكيد رسمي لهذا الجدول حتى لحظة نشر هذا التقرير.
وربط البيان المشترك خطوة التسليم بالتزام عراقي مواز يقضي بـ”بسط سلطة الدولة كاملة على سنجار وإنهاء وجود العناصر المسلحة الأجنبية المحظورة” في المنطقة ذات الغالبية الإيزيدية، في إشارة تخص أساساً وحدات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني المتمركزة هناك منذ عام 2014. كما اتفق الجانبان على توسيع حجم التبادل التجاري والاستثماري، والإسراع في تنفيذ الاتفاقيات الموقعة سابقاً، وفي مقدمتها مشروع “طريق التنمية” الاستراتيجي الذي يربط ميناء الفاو الكبير جنوب العراق بالحدود التركية.
معسكر بعشيقة: من التدريب ضد داعش إلى ملف سيادي
أسّست تركيا وجودها العسكري في بعشيقة، الواقعة على بعد نحو 15 كيلومتراً شمال شرق مدينة الموصل، في ديسمبر/كانون الأول 2015، بموجب ترتيب مع حكومة إقليم كردستان العراق لتدريب قوات محلية ومقاتلي البيشمركة في مواجهة تنظيم داعش الذي كان قد سيطر على الموصل قبل ذلك بعام. وبلغ قوام القوة التركية في ذروتها نحو 600 جندي مدعومين بدبابات ومدفعية، بحسب تقديرات تلك الفترة، من دون أن تتوفر أرقام رسمية حديثة عن حجم الوجود التركي الحالي داخل المعسكر.
واعتبرت بغداد، منذ اللحظة الأولى، أن الانتشار التركي جرى من دون موافقتها ويشكل خرقاً للسيادة العراقية، إذ صوّت مجلس النواب العراقي مطلع عام 2016 على مطالبة الحكومة بالتصعيد الدبلوماسي والقانوني لإخراج القوات التركية، بينما تمسّكت أنقرة بأن وجودها جزء من التزامها الأمني في مواجهة تهديد داعش وأنه يخضع لاتفاق مع السلطات المحلية في الإقليم. وظل الملف عالقاً لسنوات وسط توترات متكررة، شملت أيضاً عمليات عسكرية تركية دورية ضد مواقع لحزب العمال الكردستاني في شمال العراق. ويعكس الجدل حول بعشيقة إشكالية مشابهة يواجهها العراق مع استمرار اعتماد سلاحه الجوي على واشنطن، وهو ما تناولته DefenceArabia في تقرير سابق عن رهن أسطول C-130 هرقل العراقي والأردني بقطع الغيار الأمريكية.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارة سابقة لواشنطن التقى فيها وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث بالبنتاغون، قبل أن يلتقي الرئيس التركي أردوغان في نيويورك (تصوير: البحرية الأمريكية Eric Brann / DVIDS)
سياق تفاوضي أوسع: مسار السلام مع حزب العمال الكردستاني
يأتي الاتفاق على خلفية مسار تفاوضي بدأته أنقرة منذ عام 2025 لإنهاء نزاعها المسلح الممتد مع حزب العمال الكردستاني، والذي شمل إعلان الحزب حل نفسه وتسليم بعض عناصره سلاحهم على دفعات. وربط الجانبان التركي والعراقي، وفق البيان، التقدم في ملف بعشيقة بإحراز تقدم مواز في إنهاء الوجود المسلح لعناصر الحزب في سنجار، ما يجعل تسليم المعسكر جزءاً من صفقة أوسع تشمل الملفين الأمني والسيادي معاً، وليس مجرد إجراء عسكري منفصل. ولم تتضمن المواد المتاحة حتى لحظة نشر هذا التقرير أي رد فعل رسمي من حكومة إقليم كردستان العراق أو من فصائل الحشد الشعبي، التي طالما اعتبرت الوجود العسكري التركي في العراق قضية سيادية بامتياز، ولا من مسؤولين أمنيين في محافظة نينوى.
لماذا يهم هذا التطور العالم العربي؟
يمثل ملف بعشيقة نموذجاً مباشراً لإشكالية أوسع تواجه أكثر من دولة عربية: كيفية إنهاء أو تقنين وجود قوات أجنبية انتشرت أصلاً تحت غطاء مكافحة الإرهاب ثم تحوّلت إلى ملف سيادي وسياسي معقّد يمتد لسنوات. فالعراق ليس الساحة العربية الوحيدة التي تتفاوض فيها حكومة مع أنقرة على شكل وشروط الوجود العسكري التركي؛ ففي سوريا أيضاً تجري مفاوضات موازية بين دمشق وأنقرة لتقنين الوجود العسكري التركي هناك، في وقت تراجعت فيه القواعد الروسية من نحو 170 إلى قاعدتين فقط بحسب ما أعلنه سابقاً الرئيس السوري أحمد الشرع، وفق تقرير DefenceArabia حول مفاوضات دمشق مع أنقرة لتقنين الوجود العسكري التركي.
كما يوفر الاتفاق سابقة تفاوضية قد تُستحضر في نقاشات مشابهة داخل الجامعة العربية حول الوجود العسكري الأجنبي، سواء التركي في ليبيا وقطر والصومال، أو الإيراني بالوكالة في العراق وسوريا واليمن. وبالنسبة لبغداد تحديداً، فإن نجاح المسار مع أنقرة قد يشكل ورقة ضغط إضافية في ملف مواز أكثر تعقيداً، وهو مستقبل الوجود العسكري الأمريكي ضمن التحالف الدولي، والذي لا يزال قيد التفاوض بجدول زمني منفصل تماماً عن ملف بعشيقة، في وقت لا يزال الجيش العراقي يعيد بناء قدراته القتالية بعد سنوات الحرب على داعش.
اقتصادياً، يربط الجانبان تقدّم الملف الأمني بتسريع مشروع “طريق التنمية” الذي تراهن عليه بغداد كممر تجاري بديل يصل الخليج بأوروبا عبر تركيا، وهو ما يمنح دول الخليج، وخصوصاً تلك التي أبدت اهتماماً استثمارياً بالمشروع، حافزاً إضافياً لمتابعة مسار التسوية الأمنية بين بغداد وأنقرة عن كثب، باعتباره أحد مؤشرات استقرار خطوط التجارة البرية شمال شرق المنطقة العربية.
حقائق سريعة
| الموقع | بعشيقة، نحو 15 كم شمال شرق الموصل، محافظة نينوى |
| تاريخ التأسيس | ديسمبر 2015 |
| الغرض المعلن عند التأسيس | تدريب قوات محلية وبيشمركة لمواجهة داعش |
| القوام التقديري وقت الذروة | نحو 600 جندي تركي (تقديرات غير رسمية) |
| الشرط العراقي المرتبط بالتسليم | بسط سلطة الدولة على سنجار وإنهاء وجود عناصر مسلحة أجنبية محظورة |
| الجدول الزمني الرسمي | غير محدد علنياً؛ إشارات غير رسمية لاكتمال الانسحاب بنهاية 2026 |
أسئلة شائعة
أين يقع معسكر بعشيقة–زيليكان بالتحديد؟
يقع المعسكر في بلدة بعشيقة، على بعد نحو 15 كيلومتراً شمال شرق مدينة الموصل في محافظة نينوى شمال العراق، في منطقة ذات تنوع سكاني يضم الإيزيديين والمسيحيين والشبك.
هل حُدد موعد نهائي لانسحاب القوات التركية؟
لا. اقتصر البيان المشترك على الإشارة إلى “آلية وجدول زمني متفق عليهما” من دون إعلان تاريخ محدد، فيما تحدثت مصادر عسكرية عراقية غير رسمية عن احتمال اكتمال الانسحاب من بعشيقة وموقع صغير آخر قرب الموصل بنهاية عام 2026، من دون تأكيد حكومي مباشر لهذا الجدول.
ما علاقة الاتفاق بحزب العمال الكردستاني؟
ربط البيان المشترك تسليم المعسكر بإنهاء وجود “عناصر مسلحة أجنبية محظورة” في سنجار، في إشارة تخص عناصر مرتبطة بحزب العمال الكردستاني المتمركزة في المنطقة منذ 2014. ويأتي ذلك في سياق مسار تفاوضي أوسع بدأته أنقرة مع الحزب منذ عام 2025 لإنهاء النزاع المسلح بينهما.
هل يشمل الاتفاق قواعد تركية أخرى في العراق؟
البيان المشترك المتاح تناول تحديداً معسكر بعشيقة–زيليكان، فيما أشارت تقارير غير رسمية إلى موقع صغير إضافي قرب الموصل قد يشمله الانسحاب التدريجي ذاته، من دون أن يتطرق البيان الرسمي إلى قاعدة زاخو الأكبر في إقليم كردستان العراق أو غيرها من نقاط الانتشار التركي في شمال العراق.
ما مصير مشروع “طريق التنمية” في ظل هذا الاتفاق؟
أكد الجانبان في بيانهما المشترك التزامهما بتسريع تنفيذ مشروع طريق التنمية، الذي يهدف إلى ربط ميناء الفاو الكبير جنوب العراق بالأراضي التركية عبر شبكة طرق وسكك حديد، بوصفه أحد الملفات الاقتصادية الموازية للتفاهم الأمني بين بغداد وأنقرة.
المصادر
- Al Jazeera English – نص البيان المشترك وخلفية تأسيس المعسكر عام 2015.
- The Defense Post – توقيت الإعلان وتفاصيل مشروع طريق التنمية.
- The National – تفاصيل اللقاء بين أردوغان والزيدي على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة.
- Al-Monitor – السياق التاريخي لموقف بغداد من الوجود العسكري التركي منذ 2015.
- Turkish Minute – تأكيد إضافي لمضمون الاتفاق من الجانب التركي ومساره التفاوضي.
[…] على الأراضي العراقية بعد عقود من التعقيد، وفق ما نشرته دفاع العرب الأسبوع […]