ناسامز في الخليج ومصر: استقلالية جوية أم اعتماد مزدوج على واشنطن وأوسلو؟

ناسامز في الخليج ومصر: استقلالية جوية أم اعتماد مزدوج على واشنطن وأوسلو؟

منظومة ناسامز (NASAMS) ليست منتجاً أمريكياً صِرفاً، بل شراكة صناعية نرويجية-أمريكية مزدوجة: النرويج (شركة Kongsberg) تمتلك مركز توزيع النار (FDC) والمنصّات، والولايات المتحدة (RTX/Raytheon) تمتلك الرادار Sentinel وصواريخ AMRAAM التي تطلقها المنظومة. هذا يعني أن أي دولة عربية مشغّلة لناسامز — قطر والكويت وعُمان ومصر — لا تعتمد على جهة ترخيص تصدير واحدة بل على اثنتين، لكل منهما قانونها وسياستها الخاصة. فمن يملك زر التشغيل الحقيقي ليس حكومة واحدة، بل اثنتان: واشنطن عبر نظام ITAR الذي يحكم صواريخ AMRAAM، وأوسلو عبر قانون الرقابة على الصادرات النرويجي الذي يحكم مركز القيادة والتحكم. وقد أظهرت سابقة النرويج مع ماليزيا في عام 2026 أن أوسلو قادرة على سحب ترخيص تصدير موقَّع ونافذ من دون إنذار طويل، حتى لو كانت الصفقة قد وُقّعت قبل سنوات.

ما المشكلة؟

أربع دول عربية تشغّل أو طلبت منظومة ناسامز رسمياً: قطر (أول عميل عربي، ومنذ 2019 أول زبون لصاروخ AMRAAM-ER)، والكويت (عقد بقيمة نحو 1.02 مليار دولار أُبرم مع الجيش الأمريكي في مايو 2026 لتسليم وحدات إطلاق تُستكمل بحلول 2031)، وعُمان (عقد بقيمة 1.28 مليار دولار منذ 2014)، ومصر (موافقة وزارة الخارجية الأمريكية في يوليو 2025 على بيع محتمل بقيمة 4.67 مليار دولار يشمل رادارات Sentinel وصواريخ AMRAAM وAMRAAM-ER). المشكلة ليست في أداء المنظومة، بل في أن قرار الاستمرار في تشغيلها وتزويدها بالذخيرة وتحديث برمجياتها لا يعود بالكامل لأي حكومة عربية، بل يتقاسمه مُشرِّعون وبيروقراطيون في واشنطن وأوسلو لا ترى أي دولة خليجية طاولتهم.

كيف تعمل سلسلة الإمداد؟

بطارية ناسامز النموذجية تتكوّن من رادار Sentinel (أمريكي الصنع من RTX)، ومركز توزيع النار FDC (نرويجي الصنع من Kongsberg، ويضم أيضاً منصات الإطلاق ومنظومة الاتصالات)، وصواريخ من عائلة AIM-120 AMRAAM وAMRAAM-ER (أمريكية الصنع من RTX، وتُعدّ الذخيرة المشتركة نفسها التي تستخدمها المقاتلات الحربية من طراز F-15 وF-16 وF/A-18). بعبارة أخرى، كل صاروخ ناسامز يتنافس على خط إنتاج واحد مع صواريخ المقاتلات الجوية، وأي أزمة في خط إنتاج RTX في توكسون أو توزبري تنعكس مباشرة على جميع الزبائن في وقت واحد — الناتو وأوكرانيا والشرق الأوسط معاً.

ما الأجزاء الأكثر حساسية؟

العنصر المورّد مستوى الاعتماد (تقييم تحريري)
صواريخ AIM-120 AMRAAM / AMRAAM-ER الولايات المتحدة (RTX) عالٍ — مصدر تصنيع وحيد تقريباً، وخط الإنتاج مشترك مع طلبات الناتو والمقاتلات الجوية
رادار Sentinel (AN/MPQ-64) الولايات المتحدة (RTX) عالٍ — لا يوجد مصدر بديل معلن لهذا الرادار بعينه في المنظومة
مركز توزيع النار FDC وبرمجياته النرويج (Kongsberg) متوسط إلى عالٍ — سيادة برمجية وتحديثات تمر عبر نظام رقابة صادرات نرويجي منفصل عن النظام الأمريكي
منصات الإطلاق والمركبات الحاملة النرويج (Kongsberg) + شركاء محليون (Senop الفنلندية مثلاً) متوسط — تصنيع موزّع جزئياً بين عدة دول حليفة
التدريب والدعم الفني الميداني مقاولون أمريكيون (RTX) وممثلو حكومة أمريكية مقيمون عالٍ في مرحلة التأسيس — عقود FMS تفرض حضور فنيين أجانب لسنوات

من يملك التحكم في التوريد؟

لا جهة واحدة. القرار مُقسَّم فعلياً بين: (1) وزارة الخارجية الأمريكية ووكالة التعاون الأمني الدفاعي (DSCA) التي توافق على كل صفقة مبيعات عسكرية خارجية (FMS) وعلى كل دفعة ذخيرة لاحقة؛ (2) وزارة الخارجية النرويجية التي تمنح ترخيص تصدير مركز القيادة والتحكم ومنصات الإطلاق بموجب قانون الرقابة على الصادرات النرويجي؛ (3) شركة RTX بصفتها المتعهد الرئيسي لمعظم عقود الدول العربية (الكويت وعُمان ومصر)، في حين تتولى شركة Kongsberg الجزء النرويجي مباشرة مع بعض الزبائن مثل قطر التي وُصفت الصفقة معها بأنها “أكبر عقد منفرد” في تاريخ Kongsberg حسب تقرير نرويجي. (لمزيد من التفاصيل حول شبكة مورّدي الدفاع الجوي القطري الأوسع، راجع من يسلّح الدفاع الجوي القطري؟)

هل توجد قيود تصدير؟

نعم، على مستويين مختلفين يجب عدم الخلط بينهما:

  • ترخيص تصدير أمريكي (Licensing requirement) لا حظر سلاح (Arms embargo): كل صفقة ناسامز وAMRAAM للدول العربية المذكورة تمر عبر إجراء مبيعات عسكرية خارجية (FMS) يتطلب إشعاراً للكونغرس الأمريكي عبر DSCA، كما حدث مع مصر في يوليو 2025 وبقيمة 4.67 مليار دولار. هذا ليس حظراً، بل نظام ترخيص دائم: كل دفعة ذخيرة جديدة، وكل تحديث برمجي، يحتاج موافقة منفصلة.
  • قيود تصدير نرويجية صارمة وواسعة الصلاحية: أعلنت الحكومة النرويجية رسمياً في 2026 أن أحدث تقنياتها الدفاعية الحساسة ستبقى محصورة بـ”الحلفاء والشركاء الأقربين فقط”. وقد طبّقت أوسلو هذا المبدأ عملياً بإلغاء ترخيص تصدير سارٍ لصواريخ Naval Strike Missile (من إنتاج Kongsberg، الشركة نفسها الشريكة في ناسامز) إلى ماليزيا في مايو 2026، رغم أن العقد وُقّع في 2018 ونُفّذ جزئياً. احتجت كوالالمبور رسمياً وطلبت تعويضاً بقيمة 251 مليون دولار، وأوقفت كل مشترياتها الدفاعية الجديدة من النرويج. هذه السابقة لا تخص دولة عربية ولا منظومة ناسامز بعينها، لكنها تثبت أن الآلية التشريعية النرويجية قادرة على سحب ترخيص موقَّع من دون حرب أو تغيّر نظام حكم — وهو خطر سياسي يجب أن تضعه أي دولة عربية تعتمد على مكوّن نرويجي في حساباتها، لا أن تتجاهله لأن الحادثة وقعت في آسيا لا في الخليج.

ماذا عن قطع الغيار؟

أظهرت وثيقة رسمية نرويجية متعلقة بطلب النرويج الخاص أن حزمة الدعم تشمل “حاويات نقل، ومعدات صيانة، وقطع غيار، وبرمجيات متخصصة، ووثائق تقنية، وتدريباً، ودعماً لوجستياً” — وهذا نموذج الحزمة القياسية لكل زبون ناسامز تقريباً، بما فيها الزبائن العرب. ولأن قطع الغيار الحرجة (الرادار والصواريخ) أمريكية المصدر، فإن أي دولة عربية تحتاج إلى تجديد مخزون قطع الغيار يجب أن تمر عبر طلب FMS جديد أو عقد دعم لوجستي منفصل يُعاد فتحه كل عدة سنوات — كما حدث مع الكويت التي حصلت في ديسمبر 2024 على حزمة “قدرة صيانة وإصلاح واستدامة” بقيمة تقديرية 300 مليون دولار شملت فنيين ومهندسين أمريكيين مقيمين.

فنيون من سلاح الجو الأمريكي يُجهّزون صاروخ AIM-120 AMRAAM لتسليحه على مقاتلة F-15
فنيو صيانة أسلحة من سلاح الجو الأمريكي يُجهّزون صاروخ AIM-120 AMRAAM — نفس عائلة الذخيرة التي تعتمد عليها منظومة ناسامز. المصدر: سلاح الجو الأمريكي (Samuel King Jr.)، عبر ويكيميديا كومنز — ملك عام.

ماذا عن الذخائر؟

هذه أكبر نقطة اعتماد في المنظومة كلها. صواريخ AMRAAM وAMRAAM-ER تُصنَّع حصرياً من قِبل RTX الأمريكية، وهي الذخيرة الوحيدة المعتمدة لإطلاق ناسامز حتى الآن (مع مرونة إضافية توفرها نسخة AMRAAM-ER للإطلاق الأرضي، لكنها من نفس المصنّع). ولأن خط إنتاج AMRAAM يُغذّي في الوقت نفسه طلبات مقاتلات الناتو وأوكرانيا وطلبات ناسامز لـ13 دولة حول العالم، فإن “الطابور” يتقاسمه الجميع. وقّع البنتاغون في سبتمبر 2026 عقداً متعدد السنوات بقيمة 20.7 مليار دولار لرفع الإنتاج السنوي إلى ما لا يقل عن 1900 صاروخ — وهذا رقم إنتاج، لا رقم تسليم فوري، أي أن أي دولة عربية تطلب دفعة ذخيرة إضافية تدخل في قائمة انتظار تتقرر أولويتها سياسياً وعسكرياً في واشنطن، لا في الدوحة أو الكويت أو القاهرة. ولمواجهة هذا الاختناق، بدأت RTX في يوليو 2026 بتأهيل موردين أوروبيين إضافيين لمكوّنات AMRAAM بالتنسيق مع الناتو، لكن هذا التنويع ما زال في طور الدراسة ولم يشمل أي جهة تصنيع عربية حتى تاريخ نشر هذا التقرير.

ماذا عن الصيانة؟

الوثائق الرسمية لصفقة الكويت (الإشعار الصادر عن DSCA في 2022 ثم حزمة 2024) تنص صريحاً على أن تنفيذ البيع “سيتطلب تعيين ممثلين من الحكومة الأمريكية ومن المتعهدين” للإقامة في الكويت لعدة سنوات لتقديم الدعم الفني المستمر — وهذا نمط متكرر في عقود ناسامز وليس خاصاً بالكويت. بمعنى آخر، الاستقلالية التشغيلية الكاملة (أي قدرة الفرق المحلية وحدها على صيانة المنظومة وتحديثها من دون حضور فنيين أجانب) ليست متحققة في السنوات الأولى من التشغيل لأي زبون جديد، وتحتاج إلى برنامج نقل معرفة ممتد لتُستكمل.

هل توجد بدائل محلية؟

على المستوى العربي، لا يوجد بديل مباشر منافس لناسامز في فئة الدفاع الجوي متوسط المدى حتى الآن. أقرب مثال هو برنامج SkyKnight الإماراتي التابع لمجموعة EDGE (عبر وحدة HALCON)، وهو منظومة دفاع جوي قصيرة المدى بدأ تطويرها في 2020 وعُرضت كخيار تسليح لمنظومة Skynex الألمانية من Rheinmetall، إلى جانب منظومة SKYSHIELD المضادة للمسيّرات من نفس المجموعة. هذه المشاريع تثبت وجود توجّه إماراتي لبناء قدرة دفاع جوي محلية، لكنها لا تغطي حتى الآن نفس مدى ومهام ناسامز متوسطة المدى، ولم تُصدَّر بعد إلى زبون عربي آخر بصيغة منظومة متكاملة منافسة.

على الجانب التركي، البديل الأقرب مفهوماً هو هيسار-O (HİSAR-O)، منظومة الدفاع الجوي متوسطة المدى التي طوّرتها Aselsan وRoketsan ضمن مشروع “Çelik Kubbe” (القبة الفولاذية) التركي، وتُصنَّع محلياً بالكامل تقريباً في رأس الحربة والرادار والذخيرة والقيادة والتحكم ضمن منظومة واحدة. وقّعت تركيا في فبراير 2026 عقود إنتاج تسلسلي إضافية لهيسار-A وهيسار-O بقيمة تُقدَّر بنحو 1.47 مليار يورو. المقارنة التقنية التفصيلية بين الخيارين متاحة في تحليل إنفانتر ميديا: هيسار-O+ في مواجهة ناسامز، الذي يناقش الفروق في المدى والذخيرة وهامش الاستقلالية الصناعية بين المنظومتين.

هل يمكن تنويع الموردين؟

التنويع ممكن جزئياً لا كلياً. يمكن لدولة عربية مشغّلة لناسامز أن تُدخل ذخائر أو رادارات بديلة ضمن شبكة دفاعها الجوي الأوسع (كما هو حال قطر التي تجمع بين ناسامز وباتريوت من نفس المورّد الأمريكي، أو الكويت التي تجمع ناسامز مع باتريوت أيضاً)، لكن هذا لا يحل مشكلة الاعتماد على AMRAAM نفسها لأنها الذخيرة الوحيدة المعتمدة لمنصة ناسامز. التنويع الحقيقي يتطلب اعتماد منظومة أخرى بالكامل (مثل هيسار-O+ التركية أو منظومة أوروبية أخرى) إلى جانب ناسامز، وهو قرار استراتيجي مكلف تتردد فيه حتى الدول الأكثر قدرة مالياً لأنه يضاعف أعباء التدريب والصيانة بدل أن يخفّضها.

ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟

الدرس ليس أن ناسامز منظومة “سيئة” أو “محظورة” — فهي نشطة وتعمل بكفاءة في قطر والكويت وعُمان، ومصر في طريقها لتسلّمها. الدرس هو أن شراء منظومة ناسامز يعني الدخول في اعتمادية مزدوجة التوقيع، أمريكية-نرويجية، لا اعتمادية واحدة. وسابقة النرويج مع ماليزيا تُذكّر بأن الدولة الأصغر في المعادلة الصناعية (النرويج هنا) ليست بالضرورة الأقل قدرة على فرض قيود مفاجئة؛ فحجم الاقتصاد لا يحدد صلابة سياسة الرقابة على الصادرات. أي دولة عربية تخطط لتوسيع أسطول ناسامز أو شراء دفعات ذخيرة إضافية يجدر بها أن تدرس بندود العقد المتعلقة بالترخيص المستمر (End-user restriction وLicensing requirement) بقدر ما تدرس السعر والمواصفات التقنية، وأن تنظر في مسار تكامل تدريجي مع بدائل محلية أو تركية إن توافرت لتقليل تركّز القرار في عاصمتين أجنبيتين فقط.

المصادر

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات مشابهة